جريدة البلاد | “بريكس” تفتح أبوابا جديدة أمام اقتصاد البحرين ودول الخليج

تفتح مخرجات قمة مجموعة بريكس في العاصمة الهندية نيودلهي مساحة جديدة أمام اقتصادات الخليج، وفي مقدمتها مملكة البحرين، للاستفادة من التحولات المتسارعة في منظومة الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع توجه المجموعة إلى توسيع نطاق تعاونها ليشمل دول الجنوب العالمي، وتطوير آليات مشتركة في التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة والتمويل وتنمية المهارات. وتكتسب هذه المخرجات أهمية خاصة بالنسبة لدول الخليج، التي تتمتع بموقع جغرافي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، فيما تمثل الهند والصين وروسيا وغيرها من الاقتصادات المنضوية تحت مظلة بريكس أسواقا ومراكز إنتاج وتمويلا ذات ثقل متزايد في الاقتصاد العالمي.
فرصة لإعادة تشكيل الشراكات الاقتصادية
أحد أبرز الجوانب التي يمكن أن تستفيد منها الاقتصادات الخليجية يتمثل في توجه بريكس نحو تعزيز التكامل بين اقتصاداتها، وإنشاء سلاسل إنتاج جديدة وتطوير الخدمات والتقنيات والأسواق.
وبالنسبة للبحرين، فإن هذا التوجه ينسجم مع مساعيها لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للأعمال والخدمات اللوجستية والصناعات ذات القيمة المضافة. فإطلاق برنامج إطاري للتعاون في سلاسل الإمداد اللوجستية يمكن أن يوفر مجالاً لتطوير شراكات بين الشركات البحرينية ونظيراتها في دول بريكس، خصوصاً في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والتصنيع والتجارة وإدارة الموانئ.
كما يمكن لموقع البحرين في قلب منطقة الخليج أن يمنحها فرصة للاستفادة من إعادة ترتيب سلاسل التوريد العالمية، عبر استقطاب استثمارات تستهدف الأسواق الخليجية والعربية انطلاقاً من المملكة.
التكنولوجيا والطاقة.. فرصة خليجية بامتياز
وتبدو المبادرات المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة أكثر ارتباطاً باحتياجات الاقتصادات الخليجية، خصوصاً مع التوجه المتسارع نحو التحول الرقمي وتنويع مصادر الطاقة ورفع كفاءة شبكات الكهرباء.
ويشكل إنشاء مركز بريكس الرقمي للكفاءات في مجال شبكات الطاقة الذكية وأنظمة تخزين الطاقة فرصة مهمة للتعاون مع المؤسسات الخليجية، في وقت تستثمر فيه دول مجلس التعاون بكثافة في الطاقة المتجددة والشبكات الذكية والتقنيات الرقمية.
وقد لا تقتصر الاستفادة على نقل التكنولوجيا، بل يمكن أن تمتد إلى تطوير مشاريع مشتركة، وتبادل الخبرات، وتوطين بعض التقنيات، وإيجاد فرص للشركات الخليجية الناشئة والمتخصصة في التكنولوجيا والطاقة للمشاركة في أسواق جديدة.
وبالنسبة للبحرين، يمكن لهذا المسار أن يدعم توجهها نحو الاقتصاد الرقمي، وأن يفتح المجال أمام الجامعات والشركات ومراكز الابتكار للمشاركة في مشاريع بحثية وتكنولوجية عابرة للحدود.
التمويل والاستثمار.. المجال الأكثر حساسية
ربما يمثل الجانب المالي والاستثماري أحد أهم المجالات التي تستحق المتابعة خليجياً، خصوصاً مع حديث بريكس عن تطوير منصة استثمارية قادرة على جذب رؤوس أموال طويلة الأجل، والاستفادة من التقنيات المالية الحديثة والأصول الرقمية لتمويل المشاريع.ويمتلك الخليج قاعدة مالية واستثمارية كبيرة يمكن أن تجد في هذا التوجه مجالاً لتنويع الاستثمارات والوصول إلى أسواق ناشئة ذات معدلات نمو مرتفعة.
وفي المقابل، فإن دول بريكس والشركاء في الجنوب والشرق العالميين يحتاجون إلى رأس المال والخبرة الخليجية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والخدمات المالية والعقارات والصناعة والنقل. ومن هنا، يمكن أن تنشأ علاقة ذات منفعة متبادلة: “رأس المال والخبرة الخليجية في مقابل فرص النمو والأسواق والمشاريع في اقتصادات بريكس والدول المرتبطة بها”. كما أن تجربة بنك التنمية الجديد، الذي أشار إلى تمويله 123 مشروعاً بقيمة تقارب 40 مليار دولار، تعكس وجود بنية تمويلية يمكن أن تتوسع مستقبلاً لتشمل مشروعات في دول شريكة، وهو ما قد يوفر قنوات جديدة لتمويل البنية التحتية والمشروعات التنموية.
المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أمام أسواق جديدة
ولا تقل مبادرة منصة التعاون في مجال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أهمية بالنسبة للبحرين، التي يمثل قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أحد المكونات الرئيسية في اقتصادها.
فإتاحة قنوات للتعاون بين الشركات الصغيرة والمتوسطة الخليجية ونظيراتها في دول بريكس قد تسهم في فتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات البحرينية، وتشجع نقل المعرفة وتبادل الخبرات، وتدعم إقامة مشاريع مشتركة.
كما أن مبادرة “BRICS Connect” المتعلقة بتطوير المهارات وزيادة فرص العمل وتمكين المرأة وتعزيز القوى العاملة يمكن أن توفر أرضية للتعاون في مجالات التدريب والتأهيل المهني والاقتصاد الرقمي، وهي مجالات تتقاطع بصورة مباشرة مع احتياجات أسواق العمل الخليجية.
الهنـد.. بوابـة مهمـة للبحريـن والخليـج
وتبرز الهند بصورة خاصة في المعادلة الخليجية، ليس فقط باعتبارها دولة محورية في بريكس، وإنما باعتبارها واحدة من أهم الاقتصادات الآسيوية وأكثرها ارتباطاً بالاقتصادات الخليجية تجارياً واستثمارياً وبشرياً.ومن شأن توسيع التعاون ضمن إطار بريكس أن يضيف بعداً مؤسسياً جديداً للعلاقات الاقتصادية الخليجية-الهندية، وأن يمنح الشركات الخليجية فرصاً أوسع للوصول إلى سلاسل الإنتاج والأسواق الهندية.
وبالنسبة للبحرين، يمكن أن تستفيد من هذا المسار في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية مع الشركات الهندية، واستقطاب مزيد من الاستثمارات إلى القطاعات الصناعية والتكنولوجية واللوجستية والخدمية، خصوصاً في ظل قرب المملكة من الأسواق الخليجية.
هل تتحول “بريكس” إلى بديل اقتصادي؟
رغم الفرص التي تتيحها مخرجات القمة، فإن قراءة تأثيرها على الخليج يجب ألا تذهب إلى حد اعتبار بريكس بديلاً عن الشراكات الاقتصادية القائمة مع الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.
الأرجح أن دول الخليج ستتعامل مع المجموعة باعتبارها “مساراً إضافياً لتنويع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية”، وهو نهج يتناسب مع طبيعة الاقتصادات الخليجية التي ترتبط في الوقت ذاته بالأسواق الغربية والآسيوية.
وتكمن القيمة الحقيقية لبريكس بالنسبة للبحرين والخليج في قدرتها على توفير قنوات إضافية للتجارة والاستثمار والتمويل والتكنولوجيا، وليس في الانتقال من محور اقتصادي إلى آخر.
البحريـن.. استفادة ممكنة ولكـن بـشـروط
يمكن القول إن استفادة البحرين من مخرجات قمة بريكس ستكون أكبر في أربعة مسارات رئيسية: “الخدمات اللوجستية، التكنولوجيا المالية والرقمية، المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، واستقطاب الاستثمارات الآسيوية”.
لكن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب اقتصادية فعلية يتطلب بناء شراكات مباشرة بين المؤسسات البحرينية ونظيراتها في دول بريكس، والاستفادة من المنصات التمويلية والتكنولوجية التي يجري تطويرها، إلى جانب تعزيز حضور القطاع الخاص في هذه الأسواق.
كما أن استفادة البحرين لا ينبغي أن تقتصر على جذب الاستثمارات، بل يمكن أن تتجه نحو “تصدير الخدمات والخبرات البحرينية” إلى الأسواق المرتبطة ببريكس، خصوصاً في الخدمات المالية واللوجستية والتكنولوجيا والخدمات المهنية.
الخليـج أمـام مـرحلـة جـديـدة مـن تـنويـع الشراكـات
على المستوى الخليجي الأوسع، تتقاطع مخرجات قمة بريكس مع أهداف التنويع الاقتصادي التي تتبناها دول مجلس التعاون، سواء في الطاقة النظيفة، أو الصناعة، أو التكنولوجيا، أو الخدمات اللوجستية، أو الاقتصاد الرقمي.وتوفر الأسواق الكبيرة لدول بريكس قاعدة طلب ضخمة يمكن أن تستفيد منها الشركات الخليجية، فيما توفر الصناديق السيادية والمستثمرون الخليجيون مصدراً مهماً لرأس المال بالنسبة لمشروعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا في تلك الدول.
ومن شأن التعاون في سلاسل الإمداد أن يكون أحد أكثر المسارات تأثيراً، خصوصاً مع سعي الشركات العالمية إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقليل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد، وهو ما يمنح الخليج فرصة لترسيخ دوره كمركز للتجارة والنقل وإعادة التصدير.
وبشكل عام، تقدم قمة بريكس في نيودلهي مؤشرات على انتقال المجموعة من إطار للتنسيق بين الاقتصادات الناشئة إلى منصة تسعى إلى بناء آليات أوسع للتعاون في “التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والتمويل والمهارات”.وبالنسبة للبحرين، فإن التأثير المباشر قد يكون محدوداً في المدى القصير، لكن “الفرصة الاستراتيجية أكبر بكثير على المدى المتوسط والطويل”، خصوصاً إذا نجحت المملكة في ربط قطاعها الخاص بالأسواق والمؤسسات الجديدة التي تنشأ حول بريكس.أما دول الخليج، فتمتلك فرصة أوسع بحكم قوتها المالية وموقعها الجغرافي وعلاقاتها التجارية مع آسيا، ما يجعلها في موقع يسمح لها بأن تكون شريكاً وممّولاً ومركزاً لوجستياً في منظومة التعاون الجديدة.
وبالتالي، فإن المكسب الخليجي المحتمل من بريكس لا يكمن في الانضمام إلى ترتيبات اقتصادية جديدة فحسب، بل في “استثمار التحول نحو عالم اقتصادي متعدد الأقطاب لتنويع الأسواق ومصادر الاستثمار والتكنولوجيا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شبكة الشراكات الاقتصادية العالمية القائمة”.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.