غير مصنف

د. شيماء بوجيري: الأفكار الانتحارية لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي

أكدت الدكتورة شيماء بوجيري رئيس الخدمات الطبية بمستشفى الطب النفسي، أن الانتحار ومحاولات الانتحار تمثل تحديًا صحيًا ونفسيًا ومجتمعيًا يتطلب التعامل معه بجدية وحساسية، بعيدًا عن الوصمة والأحكام المسبقة،وأن الحديث عن الانتحار لا ينبغي أن يكون حديثًا عن الموت بقدر ما هو حديث عن الألم النفسي، وعن الأزمات التي قد يمر بها الإنسان، وعن أهمية الوصول إلى المساعدة في الوقت المناسب.

وأشارت إلى أن الخدمات الصحية والنفسية في مملكة البحرين تتعامل مع الحالات التي تصل إليها وفق تقييم مهني يركز على مستوى الخطورة واحتياجات الشخص النفسية والاجتماعية، مع التأكيد على أن كل حالة انتحارية أو محاولة انتحار يجب أن تؤخذ بجدية، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو الظروف المحيطة بها. ولفتت إلى أن الخبرة الإكلينيكية تشير إلى أن محاولات الانتحار قد تظهر لدى فئات عمرية مختلفة، ولا تقتصر على مرحلة عمرية محددة، كما قد تختلف أنماط المحاولات وعوامل الخطورة بين الذكور والإناث، ولذلك، فإن الوقاية الفعالة تتطلب فهم الشخص وظروفه بصورة فردية، وعدم التعامل مع جميع الحالات باعتبارها متشابهة.

عندما يصبح الألم النفسي أكبر من قدرة الإنسان على التحمل 

وأوضحت أن الأفكار والسلوكيات الانتحارية ترتبط في كثير من الحالات باضطرابات نفسية، ومن أبرزها الاكتئاب، واضطرابات القلق، واضطرابات المزاج، وبعض الاضطرابات الأخرى، إلا أن الصورة ليست دائمًا بهذه البساطة. فقد يمر الإنسان بأزمة نفسية حادة نتيجة فقدان شخص عزيز، أو مشكلات أسرية، أو ضغوط دراسية أو وظيفية، أو مشكلات اجتماعية أو مالية، أو أحداث صادمة، وقد يشعر في لحظة معينة بأنه غير قادر على تحمل ما يمر به. ونوهت إلى أن وجود أفكار انتحارية لا يعني بالضرورة أن الشخص لديه اضطراب نفسي مشخص, كما أن الشخص الذي يبدو طبيعيًا ويمارس حياته بصورة اعتيادية قد يعاني في داخله من ضيق نفسي شديد.ولهذا السبب، فإن السؤال الأهم ليس(هل هذا الشخص مريض نفسيًا؟)، وإنما، (هل هذا الشخص يعاني؟ وهل هو في خطر؟ وكيف يمكننا مساعدته؟)

العلامات التحذيرية التي لا ينبغي تجاهلها 

وأوضحت أن الشخص المعرض لخطر الانتحار قد تظهر عليه مجموعة من التغيرات السلوكية أو النفسية، مثل الانسحاب من الأسرة والأصدقاء، وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كان يستمتع بها، وتغيرات واضحة في النوم أو الشهية، والشعور باليأس أو انعدام القيمة، والحديث عن الموت أو عدم الرغبة في الحياة، أو التعبير عن أنه يمثل عبئًا على الآخرين. وقد يلاحظ المحيطون بالشخص أيضًا تغيرًا مفاجئًا في سلوكه أو مزاجه، أو زيادة في استخدام بعض المواد، أو قيامه بتصرفات توحي بأنه يودع الآخرين أو يرتب أموره بصورة غير معتادة. لكن من المهم عدم انتظار ظهور جميع هذه العلامات؛ فقد لا تكون هناك إشارات واضحة في بعض الحالات.

كيفية التصرف إذا قال شخص: «لا أريد أن أعيش»

وقالت: (عندما يعبر شخص بشكل مباشر عن رغبته في الانتحار أو عدم رغبته في الاستمرار بالحياة، يجب أخذ هذا الكلام بجدية، ولا تقللوا من شأنه، فيجب الاستماع إليه بهدوء ودون توبيخ أو لوم أو إصدار أحكام، ومن الخطأ القول له “أنت تبالغ”، أو “فكر في عائلتك”، أو “هناك أشخاص يعانون أكثر منك”) والأفضل أن نقترب منه، ونستمع إليه، ونسأله بشكل مباشر عن مدى خطورة ما يشعر به، ونشجعه على الحصول على مساعدة متخصصة. وبينت أنه في حال وجود خطر وشيك، أو وجود خطة أو وسيلة متاحة لإيذاء النفس، أو محاولة انتحار بالفعل، أو عدم قدرة الشخص على ضمان سلامته، فإن الأمر يتحول إلى حالة طارئة تستدعي الحصول على تقييم طبي ونفسي عاجل، وعدم ترك الشخص بمفرده، مع إبعاد الوسائل التي يمكن أن يستخدمها لإيذاء نفسه متى كان ذلك ممكنًا وآمنًا.

الإجراءات عند وصول المريض إلى مستشفى الطب النفسي

وأشارت إلى أن التقييم بعد محاولة الانتحار لا يقتصر على معرفة ما حدث، بل يتضمن تقييم الحالة النفسية والطبية بصورة شاملة، وفهم الظروف التي أدت إلى المحاولة، وتحديد مستوى الخطورة الحالية، ومدى وجود أفكار انتحارية مستمرة، وما إذا كانت هناك خطة أو نية لإعادة المحاولة. كما يتم تقييم عوامل الحماية والدعم الأسري والاجتماعي، والتاريخ النفسي والطبي، وأي عوامل أخرى قد تزيد من مستوى الخطورة. وبناءً على هذا التقييم، يقرر الفريق المختص ما إذا كان المريض يحتاج إلى التنويم والعلاج داخل المستشفى، أو يمكن متابعته من خلال الخدمات النفسية الخارجية، مع وضع خطة واضحة للسلامة والمتابعة.

ما بعد محاولة الانتحار مرحلة لا تقل أهمية

ونوهت إلى أن من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن انتهاء المحاولة يعني انتهاء الخطر. فالمرحلة التي تلي محاولة الانتحار تحتاج إلى متابعة دقيقة؛ لأنها فرصة مهمة لفهم الأسباب والعوامل التي أدت إلى الأزمة، وعلاج الاضطراب النفسي إن وجد، وتعزيز عوامل الحماية، ووضع خطة للسلامة ومنع تكرار المحاولة. وأضافت أن الأسرة تلعب دورًا أساسيًا في هذه المرحلة، من خلال توفير بيئة داعمة، والالتزام بالمواعيد العلاجية، ومراقبة أي تغيرات مقلقة، والتواصل مع الفريق المعالج عند ظهور مؤشرات تستدعي التدخل.

الوصمة قد تكون حاجزًا أمام العلاج 

وأردفت أن الخوف من نظرة المجتمع والوصمة المرتبطة بالمرض النفسي لا يزال من العوامل التي قد تمنع بعض الأشخاص من طلب المساعدة.

والشخص الذي يمر بأزمة انتحارية لا يحتاج إلى أن نضع عليه وصمة إضافية، فهو ليس (ضعيفًا) ، وليس بالضرورة (باحثًا عن الاهتمام)، كما أن محاولة الانتحار لا ينبغي أن تُفسر بصورة مبسطة على أنها مجرد رغبة في لفت الانتباه. حتى عندما يكون السلوك الانتحاري وسيلة للتعبير عن ألم شديد أو طلب للمساعدة، فإن ذلك بحد ذاته مؤشر يستوجب الاهتمام والتقييم المهني.

الإعلام شريك في الوقاية

وأكدت أن للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيدورًا مهمًا جدًا في تشكيل الوعي المجتمعي. وتابعت أن التغطية المسؤولة لحالات الانتحار يجب أن تتجنب التفاصيل المتعلقة بالطريقة أو الوسيلة أو الموقع، وتجنب اللغة التي تمجد الفعل أو تبسط أسبابه أو تصفه بأنه نتيجة حتمية لحدث واحد. وفي المقابل، يمكن للإعلام أن يؤدي دورًا إيجابيًا من خلال نشر المعلومات الصحيحة عن الصحة النفسية، والتشجيع على طلب المساعدة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإيصال رسالة واضحة بأن الأزمات النفسية قابلة للعلاج وأن الدعم المتخصص متاح.

كلمة بمناسبة اليوم العالمي للوقاية من الانتحار

وبمناسبة اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، الذي يصادف العاشر من سبتمبر، قالت: (رسالتي إلى كل شخص يمر بأفكار انتحارية هي: لا تواجه هذه الأفكار وحدك، ما تشعر به الآن قد يكون مؤلمًا جدًا، لكنه ليس بالضرورة دائمًا، وهناك أشخاص وخدمات يمكنها مساعدتك).

وإلى الأسرة: لا تنتظروا أن تتفاقم الأزمة، استمعوا، اقتربوا، خذوا إشارات الخطر بجدية، واطلبوا المساعدة المتخصصة عندما تكون هناك حاجة إليها.

أما إلى المجتمع، فهي أن علينا أن ننتقل من ثقافة الصمت والوصمة إلى ثقافة التفهم والدعم، فالوقاية من الانتحار تبدأ أحيانًا بكلمة، أو بسؤال بسيط: (كيف حالك؟ أنا موجود إذا كنت تحتاج إلى أن تتحدث).

واختتمت حديثها مؤكدةً أن إنقاذ حياة إنسان لا يتطلب دائمًا حلولًا معقدة؛ قد يبدأ بالانتباه إلى معاناته، والاستماع إليه دون حكم، وربطه بالمساعدة المناسبة في الوقت المناسب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى