غير مصنف

جريدة البلاد | لم تكن للزينة.. عظام “أميرات دهشور” تكشف احترافهن القتال

الثلاثاء 01 سبتمبر 2026


خنجر صلب من الذهب واللازورد، وقوس مشدود، وسهام حادة حاسمة.. لم تكن هذه مقتنيات قائد عسكري في ساحة المعركة، بل جزء من أثاث جنائزي لأميرة مصرية قديمة.

علماً أنه لسنوات طويلة، ساد الاعتقاد بين علماء الآثار أن هذه القطع لم تتعدَّ كونها رموزاً عقائدية مخصصة لرحلة العالم الآخر.

غير أن دراسة حديثة قلبت الموازين، بعدما كشفت أن هؤلاء الأميرات عرفن بالفعل كيف يستخدمن الأسلحة بمهارة واحترافية.

رحلة المومياوات المنسية

وتعود بداية القصة إلى تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما عثر علماء الآثار على 6 مومياوات ملكية في منطقة دهشور، جنوب القاهرة. ومع تعاقب العقود، اختفت المومياوات عن الأنظار لأكثر من 100 عام، لتستقر داخل أروقة المتحف المصري، حتى نجح فريق أثري في إعادة اكتشافها داخل صندوق خشبي منسي عام 2020.

فقد أظهرت الفحوصات أن 4 من هذه المومياوات شقيقات، وهن بنات الفرعون أمنمحات الثاني، وهن الأميرات إيتا، وخنمت، وإيتاويرت، وأميرة رابعة يُرجح أنها ست حتحور مريت. أما المومياوان المتبقيتان فتعودان للأميرة نوب حتب والملك حور.

دلائل تشريحية على احتراف القتال

هذا وقادت الدراسة الباحثة الدكتورة زينب حشيش، من جامعة بني سويف المصرية، ونُشرت تفاصيلها عبر موقع (ScienceDaily) العلمي. وتوصلت حشيش من خلال الفحص الأنثروبولوجي إلى أن الهياكل العظمية للأميرات شهدت تغيرات وتطورات بنيوية تتطابق تماماً مع نمط الاستخدام المادي والفعلي للأسلحة المعثور عليها داخل المقابر.

فالأميرة إيتا، التي فارقت الحياة في الثلاثينيات من عمرها، أظهرت عظامها قوة استثنائية في عضلات ذراعيها تؤكد تدريبها المكثف والمتكرر على الطعن بالخناجر أو استخدام المقمعة، بينما كشف الهيكل العظمي للأميرة إيتاويرت -رغم صغر سنها- عن بنية مخصصة لرامية سهام محترفة نتيجة الضغط المتكرر على عضلات الكتف والساعد.

دليل وجود رعاية طبية متقدمة

ولم يقف السجل العظمي عند حدود اللياقة القتالية، بل كشف أيضاً عن التاريخ الطبي للشقيقات؛ إذ أظهر هيكل الأميرة إيتاويرت تعرضها لكسور سابقة في الأضلاع والقدم، يُرجح أنها نجمت عن سقوط قوي أو تلقي ضربة شديدة أثناء التدريبات.

كما أشارت الدراسة إلى أن تلك الكسور التأمت تماماً وبشكل مثالي، وهو ما يعكس مستوى الرعاية الطبية والعلاجية المتقدمة التي حظيت بها العائلة المالكة في ذلك العصر.

فيما كشفت الفحوصات التشريحية عن وجود تشوه نادر وموحد في العمود الفقري بين الشقيقات الأربع، مما يقدم دليلاً بيولوجياً قاطعاً على القرابة المباشرة وزواج الأقارب داخل السلالة الملكية.

لماذا تدربت الأميرات على القتال؟

بينما أرجع الباحثون هذا الإعداد البدني والقتالي العالي إلى العقيدة الدينية والسياسية في مصر القديمة؛ حيث كان يُعتقد أن اللياقة والتدريب البدني يساعدان الروح على استكمال رحلتها وتجاوز العقبات في العالم الآخر.

إلى جانب ذلك، حملت الأميرات لقب “أبناء الملك”، وكان لهن دور محوري وفعال في تنفيذ الطقوس والشعائر المصاحبة لتثبيت شرعية الحكم واستقرار الدولة.

ورغم فقدان جماجم الأميرات منذ مطلع القرن العشرين -ما يضع قيوداً على بعض الفحوصات – يخطط الفريق العلمي لاستكمال أبحاثه عبر تحليل العناصر الكيميائية والنظائر المشعة في العظام، لفهم طبيعة نظامهن الغذائي والبيئي بدقة.

في حين قالت الدكتورة زينب حشيش إنها تسعى لبناء سيرة ذاتية وحضارية مكتملة الأركان لهؤلاء النساء، تشمل أدوارهن السياسية، وحالتهن الصحية، وطبيعة حياتهن اليومية، مع التطلع لعرض رفاتهن يوماً ما جنباً إلى جنب مع مجوهراتهن وأسلحتهن في عرض متحفي يليق بكرامتهن الإنسانية وبمكانتهن التاريخية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى