جريدة البلاد | المدير التنفيذي للاتحاد العربي للدراسات الإعلامية لـ “البلاد”: الإعلام التقليدي لن يختفي وبعض المنصات الرقمية تعتمد على “الترند”

أكد المدير التنفيذي للاتحاد العربي للدراسات الإعلامية المحاضر بكلية الإعلام في جامعة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية محمد الجهادي، أن المشهد الإعلامي العالمي يشهد تحولا جذريا متسارعا بفعل التوسع الكبير في استخدام منصات التواصل الاجتماعي وتغير أنماط استهلاك الجمهور للمحتوى، مشيرًا إلى أن هذا التحول لم يلغِ دور الإعلام التقليدي، بل دفعه إلى مرحلة إعادة تشكيل شاملة على مستوى الأدوات والوظائف وأساليب تقديم المحتوى.
وأوضح الجهادي في لقاء مع “البلاد” أن الإعلام اليوم لم يعد مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح منظومة متكاملة لصناعة المحتوى والتأثير وبناء الوعي العام، في ظل منافسة متزايدة بين الوسائل التقليدية والمنصات الرقمية، وتنامي الحاجة إلى التكامل بينهما لضمان الاستمرارية والمصداقية والتأثير.
وفي هذا السياق، يأتي هذا اللقاء ليسلط الضوء على أبرز ملامح التحول في الإعلام الحديث، والتحديات التي يفرضها العصر الرقمي، إضافة إلى مستقبل العلاقة بين الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي، ودور المؤسسات الإعلامية في مواجهة الأخبار الزائفة وإدارة الأزمات، والمهارات المطلوبة لتأهيل جيل جديد من الإعلاميين القادرين على مواكبة هذا التطور المتسارع.
وفي ما يلي نصّ اللقاء كاملا:
مستقبل الإعلام
كيف ترى مستقبل الإعلام التقليدي في ظل التوسع السريع لمنصات التواصل الاجتماعي؟
الإعلام التقليدي لن يختفي، لكنه يمر بمرحلة إعادة تشكيل حقيقية؛ فالمنصات الرقمية غيّرت بشكل جذري طريقة استهلاك الجمهور للمحتوى؛ إذ أصبح المتلقي يميل إلى السرعة والتفاعل والمعلومة المختصرة، ومع ذلك يظل الإعلام التقليدي محتفظا بعنصر بالغ الأهمية وهو المصداقية المؤسسية. ومن خلال التجارب العملية في إدارة الحملات الإعلامية والإعلانية، نرى أن المستقبل سيكون للإعلام القادر على الدمج بين المهنية التقليدية والأدوات الرقمية الحديثة؛ فالمؤسسات الإعلامية التي ستنجح هي تلك التي تتحول من مجرد ناقل للخبر إلى صانع محتوى متكامل يعمل عبر مختلف المنصات بالكفاءة والتأثير نفسهما.
أما بالنسبة إلى الربحية غالبًا ما ترتبط بالإعلام الرقمي، بينما يرتبط الحجم والاستثمار والمصداقية بالإعلام التقليدي مثل الصحافة والتلفزيون والراديو؛ الأمر الذي يضع المؤسسات الإعلامية أمام خيار استراتيجي، إما التركيز على الربحية السريعة أو بناء الثقة طويلة المدى.
الرسالة المؤثرة
أتعتقد بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تنافس الإعلام المهني أم تُكمله؟ ولماذا؟
وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منافسا قويا للإعلام المهني من حيث السرعة والانتشار، لكنها في الوقت ذاته تُكمله إذا أُحسن استخدامها بشكل احترافي.
فاليوم يمكن لأي شخص نشر خبر خلال ثوانٍ، إلا أن ليس كل من ينشر قادرًا على التحقق من صحة المعلومات أو تقديمها بمعالجة مهنية دقيقة، وهنا يبرز دور الإعلام المهني بوصفه جهة تحقق وتفسير وسياق.
ولكن العلاقة بين الطرفين يجب أن تكون تكاملية؛ فوسائل التواصل تمنح الإعلام وصولا أسرع وتفاعلا مباشرا مع الجمهور، بينما يمنح الإعلام المهني المحتوى المصداقية والتحليل والسياق الحقيقي للأحداث، وفي الممارسة العملية أصبحت المؤسسات الإعلامية كالصحف الناجحة هي تلك التي تجمع بين قوة المنصات الرقمية وخبرة الإعلام التقليدي في صياغة الرسائل المؤثرة.
دقة المعلومات
ما أبرز التحديات التي يواجهها الإعلام الحديث في مكافحة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة؟
أكبر تحدٍ يتمثل في الفجوة بين سرعة انتشار المعلومات وبطء عمليات التحقق المهني؛ إذ تنتشر الشائعة خلال دقائق، بينما يحتاج التحقق الدقيق إلى وقت وجهد؛ ما يخلق فجوة خطيرة في المشهد الإعلامي.
وهنالك مجموعة من التحديات الأخرى، أبرزها ضعف الوعي الإعلامي لدى بعض المستخدمين من الجمهور العام، والاعتماد على “الترند” بدلا من دقة المعلومة، إضافة إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مضلل يصعب كشفه في بعض الأحيان، فضلا عن الضغوط الاقتصادية التي تواجه بعض المؤسسات الإعلامية والتي قد تدفعها أحيانًا إلى تفضيل السرعة على حساب الجودة.
ومواجهة هذه التحديات لا تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تتطلب شراكة حقيقية بين الإعلام والمؤسسات التعليمية والتشريعات الرقمية؛ بهدف رفع وعي الجمهور وتعزيز قدرته على التحقق من دقة المعلومات والأخبار.
الإعلام والأزمات
كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تؤدي دورًا فعّالًا خلال الأزمات دون إثارة الذعر لدى الجمهور؟
الإعلام خلال الأزمات يجب أن يتحول من مجرد ناقل للحدث إلى أداة لإدارة الوعي العام؛ فالتعامل مع الأزمات الإعلامية يتطلب التوازن بين الدقة والهدوء والشفافية.
ومن خلال خبرة الكثير من المختصين في إدارة الحملات والعلاقات العامة، نرى أن الجمهور يتقبل الحقيقة حتى وإن كانت صعبة، لكنه يفقد الثقة سريعا عندما يشعر بالمبالغة أو التهويل أو إخفاء المعلومات.
وعليه، يجب أن يلتزم الإعلام بمبادئ أساسية عدة أثناء الأزمات، من بينها الاعتماد على المصادر الرسمية والموثوقة، وتجنب العناوين المثيرة، وتقديم المعلومات بشكل توعوي وإرشادي، واستضافة متخصصين قادرين على شرح الموقف بهدوء واحترافية، مع التركيز على الحلول والإجراءات بدلا من التضخيم والمبالغة، ومن واجب الإعلام الحقيقي أن لا يصنع الذعر، بل يساعد المجتمع على الفهم والتعامل الواعي مع الأزمة.
المصداقية والسرعة
إلى أي مدى تؤثر سرعة تداول الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مصداقية المحتوى الإعلامي؟
السرعة أصبحت سلاحًا ذا حدين؛ فهي تتيح للمؤسسات الإعلامية الوصول السريع إلى الجمهور، لكنها في الوقت ذاته قد تدفع البعض إلى نشر أخبار غير مكتملة أو غير دقيقة في سبيل السبق الإعلامي.
ونرى أن بعض المنصات الرقمية باتت تقيس النجاح بعدد المشاهدات لا بجودة المحتوى، وهو ما ينعكس سلبا على مستوى المصداقية، ومع ذلك نلاحظ أن الجمهور أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين الوسائل التي تبحث عن ما يسمى بـ “الترند” وتلك التي تحترم عقل المتلقي.
كما أن المصداقية أصبحت اليوم أهم من السرعة؛ لأن الخبر غير الدقيق قد ينتشر بسرعة، لكنه يترك أثرًا سلبيًّا طويل المدى في ثقة الجمهور بالمؤسسة الإعلامية.
التحول الرقمي
ما المهارات التي يجب أن يمتلكها طلبة الإعلام اليوم لمواكبة تطورات الإعلام الرقمي وإدارة الأزمات؟
طالب الإعلام المعاصر لم يعد يكفيه الاعتماد على الجانب النظري؛ إذ أصبحت سوق العمل الإعلامي تعتمد بشكل كبير على المهارات العملية والتكنولوجية.
ومن أبرز هذه المهارات: صناعة المحتوى الرقمي بأشكاله المختلفة، وإدارة منصات التواصل الاجتماعي وتحليل الجمهور، والقدرة على التحقق من المعلومات (Fact Checking)، إلى جانب التصوير والمونتاج والإخراج الرقمي، ومهارات إدارة الأزمات الإعلامية وصياغة الرسائل المؤثرة، وفهم أساسيات التسويق الرقمي والعلاقات العامة.
ونشدد على أهمية إتقان استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل مهني، إلى جانب مهارات التواصل والإقناع والعمل تحت الضغط؛ لأن الإعلام اليوم لم يعد مجرد نقل خبر، بل أصبح صناعة تأثير وبناء وعي وإدارة صورة ذهنية للمؤسسات والمجتمعات، وهو ما يتطلب جيلا جديدا من الإعلاميين يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التكيف مع التحول الرقمي المتسارع.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.