غير مصنف

جريدة البلاد | مبارك نجم.. المايسترو الذي بنى للبحرين صوتًا

الأربعاء 12 أغسطس 2026


هناك موسيقيون يعزفون، وهناك قادة يقودون الأوركسترا، وهناك من يتجاوز حدود الاثنين ليصنع مشروعًا ثقافيًا يبقى أثره أبعد من لحظة الحفل. وفي هذه المساحة يمكن قراءة تجربة المايسترو البحريني الدكتور مبارك نجم؛ تجربة لا تقف عند حدود عصا القيادة، وإنما تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بالهوية: كيف يكون للبحرين صوت أوركسترالي يحمل ذاكرتها، ويستوعب حاضرها، ويستطيع أن يخاطب العالم؟

مبارك نجم لم يتعامل مع الموسيقى باعتبارها ترفًا جماليًا أو مناسبة احتفالية، بل بوصفها جزءًا من بناء الوعي الثقافي. وهذا فارق جوهري؛ لأن الأمم لا تُعرف فقط بما تملكه من تاريخ وآثار، وإنما أيضًا بما تنتجه من موسيقى وأدب وفنون، وبقدرتها على تحويل تراثها من ذاكرة محفوظة إلى قوة ثقافية حاضرة.

لقد امتلكت البحرين منذ زمن بعيد موسيقاها وإيقاعاتها وذاكرتها البحرية والشعبية؛ من أصوات البحر والغوص واللؤلؤ إلى الفنون والإيقاعات التي تشكلت داخل المجتمع البحريني. لكن التحدي الحقيقي أمام أي موسيقي معاصر ليس مجرد استعادة هذا التراث، وإنما معرفة ماذا يفعل به بعد ذلك.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات مشروع مبارك نجم ؛ فالتراث لديه ليس نهاية الطريق، بل بدايته. لا ينبغي أن يبقى اللحن القديم محبوسًا داخل زمنه، وإنما يمكن إعادة قراءته وتوزيعه وبنائه أوركستراليًا، بحيث يحتفظ بروحه المحلية بينما يكتسب لغة موسيقية تستطيع مخاطبة المستمع أينما كان.

إنها معادلة شديدة الحساسية: كيف تصبح عالميًا دون أن تفقد محليتك؟ وكيف تحافظ على الجذور دون أن تتحول إلى أسير لها؟ والإجابة التي يقدمها مشروع مبارك نجم تبدو واضحة: لا عالمية بلا هوية حقيقية.

ومن هنا تأخذ أوركسترا البحرين الفيلهارمونية معناها الأبعد. فتأسيس أوركسترا بهذا الحجم والطموح ليس مجرد جمع عازفين على خشبة مسرح، بل بناء ثقافة كاملة للعمل الموسيقي الجماعي. الأوركسترا في جوهرها مؤسسة للنظام والإنصات والانضباط؛ فلا يستطيع العازف أن ينجح منفردًا إذا لم يسمع الآخر، ولا يستطيع الصوت الأقوى أن يطغى على بقية الأصوات دون أن يختل العمل كله.

وهذه ربما أجمل فلسفة تقدمها الأوركسترا للحياة نفسها: الانسجام لا يعني أن نصبح متشابهين، بل أن نعرف كيف نختلف دون أن نفقد وحدتنا. وهنا يأتي دور المايسترو؛ فالمايسترو لا يصنع الصوت بيديه، ومع ذلك تمر الرؤية الموسيقية كلها من خلاله. أمامه آلات وترية ونفخيه وإيقاعية، وأصوات مختلفة في طبيعتها ومساحاتها وقوتها، ومهمته ليست إسكات الاختلاف، وإنما تنظيمه حتى يتحول إلى جمال.

لهذا فإن عصا القيادة الصغيرة التي يحملها المايسترو تبدو، في ظاهرها، أبسط أدوات المسرح، لكنها في الحقيقة تحمل مسؤولية العمل كله. إشارة واحدة قد تغير سرعة الجملة الموسيقية، وحركة صغيرة قد تستدعي دخول عشرات العازفين، ولحظة صمت محسوبة قد تصبح أكثر تأثيرًا من عشرات النغمات.

ومن يتابع تجربة مبارك نجم يكتشف أن القيادة لديه لا تنفصل عن البناء. فهو لم يكتف بأن يكون قائدًا يقف أمام مؤسسة موسيقية جاهزة، بل شارك في صناعة المؤسسة نفسها، وفي إيجاد المساحة التي يستطيع داخلها الموسيقي البحريني والمقيم والمحترف القادم من ثقافات متعددة أن يلتقوا حول مشروع موسيقي واحد.

وتلك نقطة شديدة الأهمية؛ لأن قيمة الفنان لا تُقاس دائمًا بما ينجزه منفردًا. هناك مرحلة أعلى من الإنجاز، هي أن تصنع بيئة يستطيع الآخرون أن ينجحوا داخلها.

كما تكشف تجربة نجم عن وعي بأهمية تكوين الجمهور. فالأوركسترا التي لا تصنع مستمعًا جديدًا ستظل تدور داخل دائرة النخبة مهما بلغت جودتها. ولذلك فإن الوصول بالموسيقى إلى الأجيال الجديدة وتعريف الطلبة بالآلات والأصوات وطبيعة العمل الأوركسترالي ليس نشاطًا جانبيًا، وإنما استثمار طويل الأمد في الذائقة.

والمستمع أيضًا يحتاج إلى تعليم. نحن نتعلم القراءة حتى نفهم الأدب، وندرس الصورة حتى نفهم الفن، وكذلك تحتاج الأذن إلى الخبرة حتى تميز البناء الموسيقي وتكتشف جمال التفاصيل. وكل طفل يشاهد أوركسترا للمرة الأولى قد يكون مستمع الغد، وربما عازفه أو مؤلفه أو قائده.

لهذا لا أرى مشروع مبارك نجم منفصلًا عن حركة البحرين الثقافية المعاصرة. فالثقافة لا تُبنى بالفن التشكيلي وحده، ولا بالمسرح وحده، ولا بالموسيقى وحدها؛ بل بتكامل هذه الأصوات جميعًا حتى تتشكل صورة المجتمع عن نفسه أمام العالم.

وفي زمن أصبحت فيه القوة الثقافية جزءًا أساسيًا من حضور الدول، تستطيع أوركسترا وطنية أن تؤدي دورًا يتجاوز الموسيقى؛ فهي تحمل معها اسم بلدها وذاكرته وصورته الحضارية إلى أي مسرح تقف عليه وهنا تصبح الموسيقى نوعًا من الدبلوماسية الثقافية التي لا تحتاج إلى ترجمة.

قد يختلف شخصان في اللغة، لكنهما يستطيعان الاستماع إلى الجملة الموسيقية نفسها. وقد لا يعرف المستمع الأجنبي شيئًا عن تاريخ البحرين، لكنه حين يسمع لحنًا بحرينيًا أعيد بناؤه داخل قالب أوركسترالي معاصر، يكون قد اقترب من جزء من ثقافتها دون أن تُقال له كلمة واحدة.

وتلك ربما إحدى أهم رهانات مبارك نجم: أن يصبح للبحرين صوت يمكن أن يسافر، ولذلك فإن تقييم تجربته لا ينبغي أن يتوقف عند حفلة ناجحة أو تصفيق جمهور أو برنامج موسيقي مميز؛ فهذه كلها نتائج ظاهرة لمشروع أعمق. السؤال الحقيقي هو: ماذا سيبقى بعد سنوات؟

إذا بقيت مؤسسة موسيقية قوية، وجيل جديد من العازفين، وجمهور أكثر وعيًا، وتراث بحريني أعيد تقديمه بلغة موسيقية معاصرة، فإننا نكون أمام تجربة تجاوزت صاحبها لتصبح جزءًا من تاريخ الموسيقى في المملكة. وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الفنان من صاحب موهبة إلى صاحب مشروع, مبارك نجم لم يبحث فقط عن مكان يقف فيه أمام الأوركسترا، بل عمل على بناء المكان الذي يمكن أن تقف فيه الموسيقى البحرينية أمام العالم.

وبين قائد يرفع عصاه لتبدأ المقطوعة، ومايسترو يرفع مشروعًا كاملًا ليبدأ مستقبل موسيقي، مسافة كبيرة، وفي هذه المسافة تحديدًا، يمكن أن نقرأ تجربة الدكتور مبارك نجم.

*كتبت: شيرين فريد

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى