غير مصنف

جريدة البلاد | «مراعاة لا شفقة».. ريم عيسى تتحدى المرض وتنطلق في الحياة.. وتصنع من تجربتها رسالة توعوية


ريم عيسى مؤثرة بحرينية تبرز عبر صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي كموديل أزياء، وكصانعة محتوى تتحدث عن تجربتها مع مرض التصلب اللويحي المتعدد. فجمعت بين ثنائية المرض والحياة، وهما خطّان قد يبدوان غير قابلين للالتقاء، لكنها صنعت فلسفتها الخاصة. فمن خلال عملها كموديل تتحدى ذاتها والمرض، وتنطلق في الحياة من دون أن تسمح له بإيقافها أو بتر أحلامها وطموحاتها في أي عمل تريده، ومن خلال صناعة المحتوى تتمرد على نظرة المجتمع تجاه المرضى وتنشر التوعية بمرض التصلب اللويحي المتعدد. 

 

التصلب اللويحي المتعدد مرض عصبي مزمن يصيب الجهاز العصبي المركزي ويؤثر في الدماغ والحبل الشوكي ذلك المرض الذي قاد فحص نظر عابر إلى تشخيصه، ليفرض واقعًا جديدًا ويغيّر حياتها إلى الأبد وعاشت عامين من المعاناة الجسدية والنفسية والإنكار وعدم تقبل المرض والاكتئاب وكان للدكتور هاني حميدان، استشاري أمراض المخ والأعصاب، الأثر الأبرز في حياتها، إذ منحها طاقة إيجابية وشجعها على الخروج من عزلتها والحديث عن تجربتها، فكان الدافع الذي قادها إلى أن تصبح صانعة محتوى تلك الفكرة التي وُلدت على سرير المستشفى أثناء إحدى الانتكاسات، فتحدّت ذاتها واختارت أن تتعايش مع المرض، وأن تجعله جزءًا من حياتها لا حياتها كلها واليوم، لا تطلب ريم من المجتمع سوى شيء واحد (مراعاة لا شفقة) ، فنظرات الشفقة قاتلة وظالمة التقت بها(صحتنا) وكان هذا اللقاء:

عمى مؤقت يقود للتشخيص

ذكرت ريم عيسى أن بداية المرض كانت في عام 2011، ولكن تم تشخيصه في عام 2019، إذ لم يتمكن الأطباء من فهم الأعراض وفي عام 2016 وصلت الأعراض إلى ذروتها، وكانت مشلولة، ولكن بعد إجراء فحوصات الدم تحيّر الأطباء وأخبروها أنه لا توجد لديها أي مشكلة.وفي عام 2019 أصبحت لديها مشكلة في عينيها؛ إذ استيقظت وهي لا ترى، وكان ذلك عمىً مؤقتًا، ولكن في جانب واحد فقط  وذهبت إلى طبيبة عيون، بما أنها كانت تعاني من مشكلة في عينيها، فشخّصتها الطبيبة بأنها مصابة بالتصلب اللويحي وقاد فحص النظر إلى التشخيص؛ لأن هناك انتكاسة في عصب العين، إذ إن المرض كان قد هاجم عصب العين.فمن عام 2011 إلى عام 2019، عاشت رحلة مع الغموض والمرض الخفي، إذ لم يكن الأطباء يمتلكون الخبرة والإلمام نفسيهما كما هو الحال الآن ووصل الأمر إلى أنها في عام 2016 كانت مشلولة، وعندما أُجريت لها فحوصات الدم لم يتمكنوا من تشخيص المشكلة، وظلوا في حيرة من أمرهم.

الصدمة 

أفادت أن خبر إصابتها بالمرض كان صدمة، فلم تكن تعرف ما هو هذا المرض، وتساءلت: ما هو التصلب اللويحي المتعدد؟ وكانت تسمع به للمرة الأولى، وظنت في البداية أنه نوع من أنواع السرطان. ولكن أكثر من طبيب جاء وتحدث معها لتهدئة نفسيتها، وأخبرها ألا تخاف، وأن هذا مرض مناعي، فجهاز المناعة يهاجم الجسم، ولم تكن مستوعبة أساسًا ماهية المرض في تلك الفترة.

الأعراض

وعن الأعراض، أفادت بأنها في البداية كانت تعاني من تنميل شديد، أشبه بالوخز، لدرجة أنها عانت منه لمدة ثلاث سنوات، ولم تستطع حتى لمس الأغراض، كما عانت من شلل مؤقت وعمى مؤقت وتلعثم شديد في الكلام، وأحيانًا كانت تراودها تخيلات ودهان وتصرفات لا تستطيع أن تصفها إلا بأنها غير طبيعية، ولا تستطيع أحيانًا إيقافها؛ لأن الإشارات العصبية لا تصل بطريقة صحيحة.

من موديل إلى صانعة محتوى

وأشارت إلى أنها، كمريضة، قررت أن تكون موديل؛ لأن المرض لا يمكنه إيقافها أو بتر أحلامها وطموحاتها في أي عمل تريده، فمن يريد أن ينجز شيئًا ينجزه بلا تردد. ودخلت عالم الموديل في عام 2020 كموديل للحجابات، ثم تطورت وتعاقدت مع محلات ملابس كموديل أزياء. وتقول إن العمل كموديل لم يضف لها شيئًا في حياتها سوى الشعبية والانتشار، فأصبح الناس يعرفونها كموديل، ولكنها شعرت أن الموديل يعرض قطعة أو سلعة لا أكثر، تُشترى وتُلبس ثم تُرمى، ولا تزال حتى الآن موديلًا للحجابات. بينما ترك المحتوى أثرًا في الناس، كصانعة محتوى أضاف لها هوية جديدة ومنحها شعورًا جميلًا. فكانت تقدم محتوى عن التصلب المتعدد، وأصبح هناك صدى وتجاوب من الناس. وولدت الفكرة على سرير المستشفى حين كانت تمر بانتكاسة، حيث استيقظت من النوم وهي لا تستطيع تحريك قدمها، فدفعها ذلك إلى صناعة المحتوى حتى توقف عبارات اللوم التي تحاصرها ونظرات الاتهام. فبما أنها موديل، كان الناس يركزون على الظاهر من ظهورها في إعلانات الحجاب، وهذا دفعها، وهي على سرير المستشفى، إلى توعية الناس وإيصال الصورة المخفية عن المرض والجانب الآخر منه، والمعاناة والمعارك اليومية التي يعيشها المرضى في داخلهم.وأبهرها التفاعل الكبير من المرضى والناس، فقررت الاستمرار فيه، وشعرت أنها نشرت الطمأنينة بين المرضى، فتجاوبوا معها

د. هاني حميدان الملهم الذي اخرجها من عزلتها

وأوضحت أنها في البداية لم تتقبل المرض، وراودتها أسئلة كثيرة، ودخلت في مرحلة من الإنكار، وأصابها الاكتئاب، كما مرت بحالة نفسية دفعتها إلى الانعزال وعدم الرغبة في الحديث مع أي شخص وكانت تتساءل باستمرار لماذا أنا؟ وقررت بعد ذلك الخروج من عزلتها وعدم الاستسلام للمرض أو لآثاره، وأن تتحدى نفسها، فبدأت تبحث وتسأل وتتعرّف أكثر إلى المرض. وكان الدكتور هاني حميدان استشاري أمراض المخ والأعصاب الشخص الذي انتشلها من براثن هذه المرحلة، إذ كانت تراجعه بصورة شهرية، وكان مصدرًا للدعم والتحفيز، ومنحها الدافع الذي شجعها على الخروج من عزلتها والحديث عن تجربتها. وقالت إن أهلها كانوا سندًا لها طوال الوقت، إلا أن الدكتور هاني حميدان كان رفيقًا مهمًّا وصديقًا في رحلة المرض والعلاج، مشيرة إلى أن طاقته الإيجابية انعكست عليها بشكل كبير وأسهمت في تغيير نظرتها إلى المرض والحياة.وذكرت أنها في البداية لم تكن تحب أن يسألها أحد عن مرضها؛ لأن مجرد الحديث عنه كان يعيدها إلى دائرة المعاناة ويجعلها تستحضر مشاعر المرض من جديد، لذلك فضّلت لفترة أن تعيش في عالمها الخاص لكنها استطاعت مع الوقت أن تتجاوز تلك المرحلة وتحرر نفسها من هذه المشاعر

لا تكسر نفسها أمام أحد

وتقول إنها تشعر أحيانًا بلحظات ضعف عابرة، ولكن تعليقات الناس في كل مرة يرونها، وحديثهم (أنتِ الملهمة، وأنتِ دائمًا.. وأنتِ تجعليننا اليوم نغيّر نفسيتنا، وتجعليننا نغيّر فكرتنا عن المرض)، يعيدانها مرة أخرى إلى عنفوانها وبأسها. وشددت على أنه لا يوجد موقف صعب هزمها من الداخل، لأنها لا تكسر نفسها أمام أحد. وأكدت أن المرض لم يكسرها يومًا ولن يكسرها، بل إن المرض هو من منحها القوة. وألمحت إلى أنه لو تجسّد التصلب اللويحي أمامها لشكرته؛ لأنها اليوم بسببه إنسانة ملهمة ولها قيمة في المجتمع، فهي تنشر هذا الوعي ليس لها فقط، وهو ما أكسبها قيمة في المجتمع.

شعور الخوف

واستطردت قائلة إنها حتى الآن لم تتخطَّ مرحلة الإصابة؛ لأن كل ألم يصيبها أو كل انتكاسة تمر بها تذكّرها بأنها مريضة، لكنها تجاوزت الكثير من ذلك لأن هناك أشخاصًا يساندونها؛ أهلها، وأمها، وأخواتها، وزوجها، فهم داعمون لها، ومن جعلوها تصل إلى ما هي عليه الآن، فلا يعاتبونها ولا يخافون عليها، بل منحوها الثقة والأمان.وتابعت أنها لم ينتابها شعور الخوف أو القلق من تطور المرض، رغم رؤيتها لمن وصلوا إلى مرحلة العجز والشلل، فكانت إذا أصابتها انتكاسة تذهب إلى المستشفى وتأخذ الكورتيزون، ثم تعود إلى طبيعتها، وتحمد ربها على هذا الاستقرار. ولكن بسبب آخر انتكاسة لم تعد كما كانت، واضطرت إلى استخدام العكاز حتى في المشي. ولفتت إلى أن هناك من تعرفهم من المرضى توفوا، وبعضهم وصل إلى مرحلة العجز واستخدام الكرسي المتحرك. وأوضحت أن الوفاة لا تقلقها؛ لأنها بيد الله تعالى وقدره، أما الكرسي المتحرك فيرعبها كثيرًا، ويخيفها أن تصل يومًا إلى الحاجة إليه، خصوصًا أنها بدأت تحتاج إلى العكاز.

ألمحت إلى أن آخر انتكاسة كانت شيئًا مؤلمًا، فلم تتوقع أن تسقط وتكون في هذا الموقف، وأن تضطر، بعد أن كانت إنسانة طبيعية، إلى استخدام العكاز. فكانت تخجل في البداية من الخروج به، لكن أختها نبّهتها إلى أن العكاز نوع من أنواع المساعدة، مثل النظارة، فتجاوزت الموضوع. فكانت الانتكاسة مؤلمة نفسيًا أكثر من كونها جسدية، وهي لا بد منها. وأشارت إلى أن المرض في البداية أثّر عليها بشكل سلبي، وأصبحت في حالة نفسية صعبة، ثم دخلت في مرحلة نفسية إيجابية، وتعايشت مع المرض وتأقلمت معه، وأصبحت تنشر التوعية بخصوصه. وبيّنت أن المرض جعلها تدرك النعم التي لا نشعر بها إلا إذا فقدناها؛ فمثلًا عدم القدرة على الرؤية كما في السابق، فقد أثّر المرض على عينيها، وكذلك على أطرافها، فلم تعد تستطيع إمساك قلم أو حمل كأس ماء بسهولة، وأثّر على المشي، وأصبحت مزاجية، بينما كانت أكثر إنسانة تحب المزح والضحك. ولكن في المقابل، أضاف لها المرض القوة وصقل شخصيتها لتكون ما هي عليه اليوم، فتحدّت ذاتها ووصلت إلى هذه المرحلة.

أصعب المعارك لأقوى الجنود

عن رسالتها لمرضى التصلب اللويحي، قالت: (أنا دائمًا أقول إن الله يعطي أصعب المعارك لأقوى جنوده، فالمرض معركة، ونحن نتغلب عليه بإيماننا وثقتنا بالله وصبرنا، نحارب هذه المعركة) . وأكدت ضرورة الالتزام بالأدوية والعلاجات، لأن الكثيرين لا يصدقون أن التصلب اللويحي مرض، فلا يلتزمون بالعلاج، فيتطور المرض لديهم ويرحلون سريعًا أو يصبحون مقعدين.

ووجهت رسالة إلى المجتمع بألا يحكموا عليهم من الشكل الخارجي، سواء كانوا يمشون بصورة طبيعية، أو كانوا يستخدمون العكاز، أو يمارسون حياتهم بشكل طبيعي؛ فهم يعانون في الداخل من آلام العضلات والتنميل، وهذا لا يُرى، ويحتاجون إلى المراعاة لا الشفقة. وقالت: (لا أحب نظرات الشفقة، ولا أسمح لأي شخص أن ينظر إليّ بنظرات الشفقة؛ لأنني إنسانة طبيعية، فهي ليست نظرات رحمة، بل نظرات قاتلة وظلم لنا). وبيّنت أن البعض يستهزئ أو يعرّض بعض المرضى للإحراج، فإجاباتهم وتصرفاتهم تكون أحيانًا غير متوقعة، وهذا لا يعني أنهم أغبياء، بل يعني أن الإشارات العصبية لا تصل بصورة صحيحة، فيُفهم السؤال في غير موضعه، وأحيانًا تتوه الكلمات وتتبعثر من دون تنسيق أو ترتيب. وأضافت أنه، كأصحاب التصلب المتعدد، قد يصرخون أحيانًا أو يرفعون أصواتهم فجأة، وهذا ليس بقصد، وإنما هو من أعراض المرض، متمنيةً من الناس تفهّم ذلك.  وذكرت أنها تعايشت مع المرض، وأصبح جزءًا من ذاتها، وهو جزء من حياتها وليس حياتها كلها، فلا تضيع حياتها كلها من أجل جزءٍ منها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى