جريدة البلاد | قضية اقتصادية

-
البحرين تمتلك بيئة أعمال متقدمة لكن التوسع الخارجي أصبح خيارا استراتيجيا لا رفاهية
-
شيخــــة المناعـــي: المطلوب مبادرات تربط الشركــــات البحرينيـــــة بالموزعيـــن وسلاســـل البيع الخليجية
-
ماجد زبـــــر: قطـاع التكنولوجيا مــــــن أكثـــر القطاعات قدرة علـى تجاوز الحدود والوصول إلى الأسواق الخليجية
-
ابراهيم الدوسري: القوانيـــــــــن واللـوائح المنظمة هي الركيزة لتعــــــــزيــــز التكامـــــل الاقتصادي الخليجـي
هل آن الأوان بقوة أكبر لدخول المنتج البحريني بشعار: ”صنع في البحرين” إلى الأسواق الخليجية؟
واقعًا، لم يعد نجاح المشروع في السوق البحرينية وحده كافيًا لضمان استدامته في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة، فصغر حجم السوق المحلي واشتداد المنافسة، والتطور السريع في التكنولوجيا، فرضت على الشركات البحرينية الناشئة التفكير مبكرًا في التوسع خارج الحدود، خصوصًا نحو الأسواق الخليجية التي تمثل الامتداد الطبيعي للمنتج والخدمة البحرينية.
وتمتلك البحرين واحدة من أكثر البيئات جذبًا لريادة الأعمال في المنطقة، إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في تأسيس المشروع، بل في قدرته على الانتقال من مشروع محلي ناجح إلى شركة إقليمية قادرة على المنافسة في أسواق الخليج، والكثير من الآراء تشير إلى أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للبحرين وقربها من السوق السعودية، إلى جانب بنيتها التشريعية واللوجستية المتطورة، يمنحان الشركات الناشئة فرصة لاختبار منتجاتها وخدماتها محليًا قبل الانطلاق إلى الأسواق الخليجية الأكبر.
هناك جانب مهم لابد من الإشارة إليه، وهي أن سوق البحرين بالنسبة لكثير من رواد الأعمال بمثابة “مختبر أعمال” (Testbed) يمكن من خلاله تطوير المنتجات وقياس ردود فعل العملاء، ثم التوسع تدريجيًّا في المنطقة، بما يقلل من المخاطر ويرفع فرص النجاح.. ونستعرض هنا بضعة آراء لتوضيح كامل الفكرة:

فرص التوسع كثيرة
يمهّد مؤسس شركة يونيكورن للتكنولوجيا رائد الأعمال ماجد زبر للحديث بادئًا بفرص التوسع أمام الشركات البحرينية الناشئة والتي لا تقتصر على المنتجات الغذائية أو الصناعية، بل تمتد بقوة إلى قطاع التكنولوجيا وخدمات تقنية المعلومات والاتصالات والتسويق الرقمي، الذي بات من أكثر القطاعات قدرة على تجاوز الحدود والوصول إلى الأسواق الخليجية.
ويقدم نموذجًا بالقول: ”بدأنا العمل عام 2005 بصورة متواضعة كمتجر لبيع أجهزة ومستلزمات تقنية المعلومات للأفراد، قبل أن نتوسع تدريجيًّا في تقديم خدماته للأفراد والمؤسسات داخل مملكة البحرين وخارجها، واستفدنا من الخبرات الوطنية والقدرات التقنية المتخصصة، علاوةً على أن الكفاءات البحرينية أسهمت بصورة مباشرة في تطوير أعمال المركز ورفع جودة خدماته، ونسبة توظيف البحرينيين في الوظائف الإدارية والفنية بلغت 100 %، وهو ما يعكس الثقة بقدرة الموظف البحريني على الأداء المهني والابتكار والمنافسة”.
ويوضح أن قطاع ريادة الأعمال في البحرين يهتم كثيرًا بتأهيل الكوادر الوطنية بالتزامن مع توسع أنشطتها ودخولها أسواقًا جديدة، علاوةً على دعم صندوق العمل “تمكين” ساعد على تدريب الموظفين البحرينيين وصقل مهاراتهم ودعم أجورهم، بما أسهم في خفض التكاليف التشغيلية وتعزيز القدرة على النمو، ولهذا فإن التكنولوجيا البحرينية مؤهلة لتكون منتجًا تصديريًّا خليجيًّا، متى ما توافرت البيئة الداعمة والتمويل والتسويق الإقليمي.
الدعم الحكومي.. وقود النمو
ومن أبرز عناصر القوة التي تتمتع بها البحرين، منظومة الدعم الحكومية الموجهة لقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فقد أسهمت برامج صندوق العمل “تمكين” إلى جانب مبادرات مجلس تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، في توفير التمويل، والتدريب، والاستشارات، وتطوير المهارات، الأمر الذي ساعد آلاف المشاريع على الانطلاق والنمو، وهذه البرامج لم تعد تركز فقط على تأسيس المشاريع، بل أصبحت تستهدف رفع جاهزيتها للتوسع الخارجي، وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الإقليمية.
التوسع الإقليمي
ولدى رائدة الأعمال شيخة محمد عبدالله المناعي تجربة “رائدة” هي الأخرى في “تريدش لتجارة الأغذية”، منحتها مساحة خبرة كبيرة لقراءة مؤشرات قدرة منافسة المنتج البحريني في السوق الخليجي، فهي واثقة تمامًا من أن الشركات البحرينية، وخصوصًا الناشئة، تمتلك القدرة على المنافسة في السوق الخليجي بفضل جودة منتجاتها ومرونتها في التطوير. وفي السوق المحلي لمسنا بيئة أعمال جيدة وفرصًا للنمو، خاصة مع تزايد الثقة بالمنتج البحريني.
وتذهب لشرح مختصر بالقول: ”لكي تتمكن الشركات من التوسع خليجيًّا، نحتاج إلى مزيد من المبادرات التي تربط الشركات البحرينية بالموزعين وسلاسل البيع الكبرى في دول الخليج، إلى جانب تسهيل إجراءات التصدير والمشاركة في المعارض والفعاليات المتخصصة. هذه الخطوات ستمنح الشركات فرصًا أكبر للوصول إلى أسواق جديدة”.
وتثمن المناعي الجهود التي تبذلها الجهات الداعمة في البحرين، مثل تمكين وصادرات البحرين، في دعم رواد الأعمال والشركات، متطلعةً إلى استمرار هذه الجهود بما يسهم في زيادة فرص التوسع الإقليمي.
أهمية التصنيفات الدولية
وتعزز التصنيفات الدولية التي وضعت البحرين ضمن أفضل البيئات الإقليمية للشركات الناشئة ثقة المستثمرين، وشجعت المزيد من رواد الأعمال على دخول قطاعات الاقتصاد الرقمي، ومنحت هذه القطاعات الشركات البحرينية ميزة تنافسية للوصول إلى الأسواق الخليجية والعالمية، ورغم هذه المزايا، يظل صغر حجم السوق البحرينية أحد أبرز التحديات أمام الشركات الناشئة.. كيف؟
في كثير من القطاعات، مثل التجارة الإلكترونية، وخدمات التوصيل، والتطبيقات الرقمية، يصل المشروع إلى مرحلة التشبع بسرعة، مما يجعل التوسع الخارجي ضرورة اقتصادية أكثر منه خيارًا، ورائد الأعمال البحريني أصبح مطالبًا منذ اليوم الأول بوضع خطة للتوسع الإقليمي، بدلاً من الاكتفاء بالسوق المحلية، إلا أن من التحديات التي تواجه نمو الشركات أيضًا، محدودية الكفاءات المتخصصة في المجالات التقنية الدقيقة، مثل الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولذلك، تأتي ضرورة الاستثمار في تدريب وتأهيل الكفاءات الوطنية لأنها أحد أهم مفاتيح تعزيز تنافسية الاقتصاد البحريني خلال السنوات المقبلة.
اللوائح المنظمة لـ “البينية”
وتشكل القوانين والأنظمة واللوائح المنظمة للتجارة البينية بين دول مجلس التعاون الخليجي ركيزة أساسية لتعزيز التكامل الاقتصادي الخليجي، فوفق المحامي إبراهيم عبدالرحمن الدوسري فإنها تسهم في تسهيل انتقال السلع والخدمات، وتقليص العوائق الإدارية والجمركية، وخلق بيئة استثمارية أكثر استقرارا وجاذبية للمؤسسات الوطنية، هذا ما أشار إليه المحامي إبراهيم عبدالرحمن الدوسري الذي لفت إلى أنه حين تتجه التشريعات نحو مزيد من التوحيد والمرونة، تزداد قدرة الشركات الخليجية على التوسع والمنافسة داخل السوق الخليجية المشتركة.
وفيما يتعلق بالمنتجات البحرينية، يرى الدوسري أن دعم دخولها إلى الأسواق الخليجية يتطلب مواصلة تطوير الأطر التشريعية التي تسهل الاعتراف المتبادل بالمواصفات والمقاييس، وتبسيط الإجراءات الجمركية والرقابية، وتسريع التخليص عبر المنافذ الحدودية، إلى جانب تعزيز التجارة الرقمية وتسهيل حركة الخدمات والاستثمارات.
ويعيد الدوسري التأكيد على أن تعزيز حماية الملكية الفكرية، وتوحيد بعض الأنظمة التجارية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الامتثال للمتطلبات التنظيمية الخليجية، يمثل عوامل مهمة لرفع تنافسية المنتج البحريني، ومع ما تتمتع به البحرين من موقع استراتيجي وبيئة أعمال متقدمة، فإن تطوير المنظومة التشريعية الخليجية بصورة مستمرة سيمنح الشركات البحرينية فرصا أكبر للوصول إلى أسواق أوسع، وتحويل السوق الخليجية إلى امتداد طبيعي لنموها واستثماراتها، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني ويعزز مسيرة التكامل الاقتصادي بين دول المجلس.
المنتج البحريني كـ“فرصة خليجية”
وبالإمكان الإشارة إلى أن المنتج البحريني يمتلك فرصا كبيرة في الأسواق الخليجية، خصوصًا في الصناعات الغذائية، والخدمات المالية، والحلول التقنية، والصناعات الإبداعية، لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب رفع جودة المنتجات، وتعزيز الهوية التجارية، والاستثمار في التسويق، وفهم احتياجات كل سوق على حدة، فمستقبل الشركات البحرينية لن يقاس بعدد فروعها داخل المملكة فقط، بل بقدرتها على بناء حضور إقليمي مستدام.
وسيكون النجاح في السنوات المقبلة من نصيب الشركات التي تمتلك رؤية توسعية وتستثمر في الابتكار والكفاءات، والتحول الرقمي، وتستفيد من البيئة الاستثمارية المتقدمة التي توفرها البحرين، لكن أمامها فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها بوصفها منصة إقليمية لريادة الأعمال والابتكار، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى إنجاز اقتصادي يتطلب استمرار تطوير بيئة الأعمال، وتوسيع أدوات التمويل، وبناء كوادر وطنية متخصصة، وتشجيع الشركات على التفكير خليجيا منذ انطلاقة مشاريعها، فالعالم الاقتصادي الجديد لا ينتظر الشركات التي تكتفي بالنجاح المحلي، بل يكافئ المؤسسات القادرة على تحويل الطموح إلى حضور إقليمي مؤثر، والمنافسة إلى قصة نجاح تتجاوز حدود الوطن.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.