جريدة البلاد | راحلون وبصماتهم باقية

في تاريخ البحرين رجالٌ لم تكن ثرواتهم وحدها عنوانًا لمكانتهم، بل ما تركوه من أثرٍ في حياة الناس ونهضة المجتمع، ومن هؤلاء علي بن إبراهيم بن حسن الزياني العدواني (1848 – 1929)، أحد كبار تجار اللؤلؤ في البحرين، الذي عُرف بلقب “شيخ الطواويش”، وبلغ من الثراء أن الناس أطلقوا عليه اسم “الدولة”، غير أن سيرته لم تقف عند حدود التجارة والنفوذ، فقد اقترن اسمه بالسخاء والأعمال الخيرية، وبمبادرات مبكرة أسهمت في نشأة التعليم النظامي الحديث في البحرين.
ثروة ومكانة
وُلد علي الزياني العدواني في مدينة المحرق بالعام 1848م، ونشأ في مرحلة كانت فيها تجارة اللؤلؤ من أبرز الأنشطة الاقتصادية في البحرين والخليج العربي، ودخل هذا المجال وحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا، حتى أصبح من أبرز “الطواويش”، وهم التجار الذين يشترون اللؤلؤ ويتولون تسويقه وبيعه. وقد درّت عليه تجارته أرباحًا طائلة، وذاع صيته بين التجار والأعيان، حتى اشتهر بلقب “شيخ الطواويش”، فيما عكس لقب “الدولة” حجم ثروته ومكانته الاقتصادية. ومع اتساع تجارته، عُرف الزياني بسخاء اليد ومساعدة المحتاجين والمعوزين، فاجتمع له الثراء والحضور الاجتماعي والعمل الخيري.
الكويت والهند وأوروبا
لم تقتصر أنشطة الراحل على البحرين، بل نسج شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاجتماعية مع عدد من الشخصيات البارزة في المنطقة وخارجها، ومن أبرز من ارتبط معهم بعلاقات وثيقة الشيخ مبارك الصباح، حاكم الكويت، والحاج حسين بن علي بن سيف، أحد تجار اللؤلؤ في الكويت، والحاج جاسم بن عبدالعزيز الإبراهيم، والحاج جاسم بن محمد الإبراهيم، كما امتدت صلاته إلى تجار اللؤلؤ الفرنسيين، ومنهم مسيو أدولف روزنتال، ومسيو موريس كارتييه، ومسيو حبيب، ومسيو بايك، وغيرهم ممن ارتبطت أنشطتهم بأسواق اللؤلؤ وتجارته. وتعكس هذه العلاقات المكانة التي بلغها الزياني في عالم التجارة، والدور الذي أداه تجار البحرين في ربط أسواق الخليج بالمراكز التجارية الدولية.
وسام عثماني وأملاك
وحين نطالع كتاب “النخبة التجارية في الهند” للمؤلفين يوسف صلاح الدين والدكتور وسام عباس السبع، نتعرف على مكانة علي الزياني العدواني إلى حدّ حصوله على وسام تكريمي من الدولة العثمانية، ارتبط بلقب “بيك”، وهو من ألقاب التشريف التي كانت تُمنح للشخصيات البارزة. وكان يدير أعماله بمساعدة سكرتير خاص يُدعى جميل قرنفل، من لبنان، كما امتلك عقارات وأملاكًا في البحرين ولنجة وتاروت والهند.
وضمت تجارته عددًا من السفن، من بينها سفينة شراعية حملت اسم “الزياني”، وكان يستخدمها للسفر إلى الهند لبيع اللؤلؤ وشراء مستلزمات الحياة العصرية من متاجر بومباي. وقد غرقت هذه السفينة خلال الحرب العالمية الأولى، ومن سفنه أيضًا “ميسر”، وهي من نوع “البوم”، وقد أهداها إلى ابنه محمد قبل وفاته، ومع تقدمه في العمر، تولى نجله محمد متابعة تجارة اللؤلؤ.
من بيت إلى مدرسة
وإذا كانت تجارة اللؤلؤ قد صنعت ثروة الراحل وشهرته، فإن إسهاماته في التعليم منحت سيرته بُعدًا آخر، وأبقت اسمه حاضرًا في تاريخ النهضة التعليمية البحرينية، فقد كان رجلًا مثقفًا محبًا للعلم والتعليم، وحرص على ترجمة هذا الاهتمام إلى مبادرات عملية. ومن أبرزها تشييد مدرسة تضم ثمانية صفوف دراسية، وإقامة مسجد إلى جانبها في “فريق” الزياينة بمدينة المحرق.
ولم يتوقف عطاؤه عند بناء المدرسة، بل أوقف بيته لخدمة التعليم، ليصبح هذا المنزل شاهدًا على مرحلة مهمة من التحول التعليمي في البحرين، وقد استُخدم البيت مقرًا مؤقتًا لمدرسة الهداية الخليفية، ثم تحوّل المبنى نفسه إلى أول مدرسة للبنات افتتحتها الإدارة الخيرية للتعليم الحديث في البحرين بالعام 1928م.

وفي العام 1929م، رحل علي بن إبراهيم بن حسن الزياني العدواني عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد حياة حافلة بالتجارة والعلاقات الواسعة والعمل الخيري، وتبقى سيرته شاهدًا على مرحلة من تاريخ البحرين، كان فيها لبعض التجار دور يتجاوز النشاط الاقتصادي إلى بناء المؤسسات وخدمة المجتمع.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.