جريدة البلاد | خريطة طريق لحماية الطفل وترغيبه في البيئة المدرسية

تُمثل العودة إلى المدارس محطة انتقالية مهمة في حياة الأطفال وأسرهم؛ تتطلب تهيئة نفسية وتربوية متكاملة تضمن انتقالا سلسا وشغفا بالتعلم، إلى جانب غرس مفاهيم الحماية الذاتية وبناء شخصية واثقة، وفي هذا الحوار مع “البلاد”، تستعرض المدربة في برامج التفكير والإبداع للأطفال نهى حسن، الأساليب التربوية لتحبيب الأبناء في المدرسة، وسبل حمايتهم من التنمر والمضايقات، وكيفية ترسيخ الشراكة الفاعلة بين البيت والمؤسسة التعليمية.
مع العودة للمدارس، ما أبرز الأساليب التربوية لتحبيب الطفل في البيئة المدرسية وتهيئته نفسياً بعيداً عن أسلوب الترهيب والضغط النفسي؟
العودة للمدارس مرحلة انتقالية مهمة لا تحتاج إلى ضغط ولا رفع الصوت بالصراخ، بل تحتاج ذكاءً تربوياً نحاول كمدربين أن نقدم أبرز أساليبه في الورش والمحاضرات التي نقدمها. من الأساليب الفعالة “الربط الإيجابي”، يعني أن نتكلم عن المدرسة كبيت ثان وكمكان يجتمع فيه الأصدقاء، ونبتعد عن أن المدرسة مكان الواجب والعقاب. ومن الربط الإيجابي أن نشارك الطالب شراء الأدوات المدرسية واحترام رأيه ومناقشته في الاختيار.
الأسلوب الثاني الفعّال هو اتباع “الروتين التدريجي”، أي العودة إلى مواعيد النوم والاستيقاظ تدريجيًا قبل بدء المدرسة بأسبوع، إذ ليس من المعقول أن يعتاد الشخص النوم الساعة 12 ليلا، من ثم نطلب منه بين ليلة وضحاها أن ينام الساعة 9 مساء.
من الأساليب المهمة أيضاً “التعزيز لا التهديد”، دعونا كأولياء أمور نركز على عبارة “أنا فخور بمحاولتك” بدلاً من “ستتعاقب لأنك لم تدرس أكثر” أو “هل هذه علامة تفرح بها!”. عندما نكافئ الجهد والسلوك الجيد حتى لو كانت النتيجة متوسطة سنحصل على استقرار نفسي وجو محفز. وفي حال كان الطالب يدخل المدرسة لأول مرة، بالإمكان التواصل مع إدارة المدرسة لزيارة المدرسة قبل بداية العام الدراسي والتعرف على المرافق لكسر الرهبة وخلق الألفة، دعوا هدفنا يكون واضحاً بأن يدخل الطفل المدرسة بحماسة وشوق لا بخوف وقلق.
كيف نعلّم الطفل حدود مساحته الشخصية ومفهوم “اللمسة الآمنة وغير الآمنة” بأسلوب مبسط من دون إخافته؟
أهم قاعدة نركز عليها هي التوعية من دون تخويف، حيث نستخدم أسلوب “قواعد الأمان” مثل “قواعد المرور للتوعية”: اللمسة الآمنة: هي اللمسة التي تريحك مثل السلام والمصافحة وحضن الأهل. اللمسة غير الآمنة: هي التي تجعلك تشعر بعدم ارتياح أو الخوف أو يطلب منك كتم اللمسة على أنها سر، ونعلم الطفل كيف يرفضها بثقة وبقوة ويبتعد.
قاعدة الملابس الداخلية: جسمك ملكك وبه مناطق خاصة دائماً تكون مستورة بالملابس، فهي ممنوع أن يراها أحد أو يلمسها.
الجلوس الممنوع: نعلم الطفل أنه ممنوع أن يجلس بحضن أي زميل أو أي شخص داخل أو خارج المدرسة.
قاعدة (لا، اهرب، أخبر): نعلمه أن يقول “لا” بقوة، ويهرب ويبتعد فوراً، ويخبر شخصاً بالغاً يثق فيه. استخدام القصص والكتب التربوية: رواية القصص أفضل من الشرح المباشر، ونوصل المعلومة كقصة بطل يحمي نفسه.
كيف نربّي الطفل على عدم الكتمان والمبادرة باللجوء للوالدين فور تعرضه لأي موقف مريب أو مضايقات؟
الكتمان سببه خوف الطفل، سواء من العقاب أو التوبيخ أو عدم تصديق كلامه، ولتجاوز وكسر الكتمان علينا القيام ببعض الأمور: أولها “بناء جسر الثقة اليومي”، يعني أن نخصص 10 دقائق يومياً أسميها “وقت الفضفضة”، نسمع أطفالنا فقط بدون مقاطعة ولا استخدام الهاتف ولا الحكم على المواقف.
الأمر الثاني نتبع قاعدة “لن أغضب منك”، نؤكد له دائماً أنه حتى لو حدث أي شيء ومهما كان، أنا أدعمك ومعك وأحميك ولست أعاقبك.
الأمر الثالث أن “نصدق الطفل”؛ لأن أول رد فعل مهم جداً، فلو صدقناه وتفاعلنا بهدوء وحكمة سيرجع ويتكلم مرة ثانية، لكن لو أنكرنا أو غضبنا سيغلق هذا الباب وسيبحث عن ناس غيرنا يكلمهم أو سيتقوقع على نفسه وحالته ستتأزم.
ومهم أيضاً أن نعلمه مختلف المشاعر التي ممكن أن يمر بها، مثلاً: “شعرت بالحزن”، “شعرت بالخوف”، وعند هذا الشعور تعال لي حتى يستطيع وصف الموقف الذي سبب له هذه المشاعر ونستطيع حل الموضوع، هدفنا واضح وهو تشجيع الطفل على الإفصاح وعدم الكتمان.
ما هي العلامات التي تظهر على الطفل وتكشف للأهل تعرضه للتنمر بالمدرسة؟ وكيف نبني فيه شخصية واثقة تعتمد على الحوار للدفاع عن نفسها؟
توجد علامات تنبه الأهل أن طفلهم متعرض للتنمر مثل: تغير مفاجئ بالمزاج، عزلة، بكاء بدون سبب، انفعال سريع، أعذار للتغيب عن المدرسة مثل “بطني يؤلمني” كل صباح، وإذا كان التنمر جسدياً فالأهل ممكن أن يلاحظوا كدمات أو جروح، وأيضاً ممكن ملاحظة أغراض ممزقة أو ناقصة، كذلك تراجع دراسي مفاجئ وفقدان الشهية، لذلك، على أولياء الأمور العمل على بناء شخصية واثقة تواجه بالحوار وعدم الخوف، بالإضافة إلى تسجيل الطفل في ورش ودورات توعوية: تدريب الطفل على “الوقفة القوية”: نعلمه لغة الجسد (ظهر مستقيم، عين في العين، صوت واضح: “توقف، هذا يضايقني”). أخذ دور اللعب: مهم مثلاً أن نمثل معه مواقف تنمر وندربه على عدة ردود منها التجاهل والرد الحازم وطلب المساعدة. تعزيز نقاط القوة: على ولي الأمر تعزيز نقاط القوة عند الطفل باستمرار كتسجيله في أنشطة رياضية أو فنية ترفع ثقته بنفسه؛ لأن الطفل الواثق أقل عرضة للتنمر. قاعدة “لا تواجه وحدك”: نعلمه أن طلب مساعدة المعلم أو المرشد قوة وليست ضعفاً.
ما دور المرشد الطلابي والأخصائي الاجتماعي؟ وكيف تبني الأسرة علاقة تواصل وتكامل مستمرة مع إدارة المدرسة؟
نؤكد أن العلاقة بين البيت والمدرسة هي “مثلث النجاح” (الطالب – البيت – المدرسة)، وكل ضلع من المثلث له أهميته التي لا يمكن تجاوزها. دور المرشد الطلابي والأخصائي الاجتماعي حيوي جداً؛ فهو حلقة الوصل النفسية والاجتماعية، يعني دوره ليس فقط حل المشاكل بل الوقاية، فهو يكتشف الحالات المبكرة للتنمر أو القلق، وأيضاً بالتعاون مع المعلمين يكتشف التراجع الدراسي عند أي طالب ويعطي الأهل استشارات، وغيابه يترك فراغاً كبيراً. لو سألتم كيف نبني شراكة فعالة؟ فجوابنا عن طريق التواصل الاستباقي وليس وقت الأزمة فقط، لذلك كأولياء أمور نحضر اجتماعات أولياء الأمور، نتابع المنصات المدرسية، ونعمل على التعرف على كل المعلمين من بداية العام. والشفافية مهمة بحيث لو كان عندنا ظرف بالبيت يؤثر على الطفل نبلغ المرشد بسرية، والعكس نتقبل ملاحظات المدرسة بصدر رحب. وعلينا توحيد الرسالة والأهداف، فالقوانين والقيم التي بالمدرسة نعززها بالبيت ولا نقول للطفل “المعلم غلطان” أو “مستقصدك”. ونشجع مشاركة الأهل بالفعاليات المدرسية والتطوع؛ لأن هذا الأمر يقوي العلاقة وتصل رسالة للطفل أن تعليمه أولوية للجميع.
باختصار أقول إن الإدارة الناجحة هي التي تشعر الطالب بالأمان النفسي والأكاديمي، والأهل هم الشريك الأول في هذه المهمة. والمدرسة الناجحة هي التي تغرس في الطفل حب التعلم والتفكير قبل الحفظ والتلقين، وعندما نعلم أبناءنا كيف يفكرون لا ماذا يفكرون نصنع جيلاً مبدعاً قادراً على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل بثقة وأمان، والشراكة الحقيقية بين البيت والمدرسة هي المفتاح لبيئة تعليمية صحية وآمنة ومحفزة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.