غير مصنف

جريدة البلاد | تحقيق | جروح صامتة.. حين يصبح زي العاملة المنزلية علامة تسبقها خارج المنزل


  • الجانب النفسي يكشف عن أثر الزي في الهوية
  • القانون لا يمنع الزي لكنه يشترط احترام الكرامة
  • المظهر الموحد قد يمنح الاحترافية أو يسبب الإحراج
  • العاملات يختلفن بين عدّه لباس عمل أو تقييدا للشخصية
  • المتاجر المحلية تعكس استمرار طلب الزي الموحد
  • %70 من الأسر تشترط الزي قبل استقدام العاملة المنزلية

في أحد المجمعات التجارية، تسير أسرة يتقدمها الأب والأم والأبناء، وخلفهم امرأة ترتدي زيًا موحدًا يعرفه الجميع بأنه مخصص للعاملات المنزليات، وبينما ينشغل أفراد الأسرة بالتسوق، تمضي العاملة بخطوات هادئة، تحمل الأكياس وترافقهم حيثما ذهبوا، فيما يلفت مظهرها أنظارشيماء عبدالكريم المارة قبل أن يعرفوا اسمها أو شخصيتها.

قد يبدو المشهد اعتياديًا بالنسبة للبعض، لكنه يثير لدى آخرين تساؤلات تتجاوز قطعة قماش تحمل لونًا وتصميمًا موحدين، فهل الزي مجرد وسيلة لتنظيم العمل داخل المنزل؟ أم أنه عندما يغادر عتبة المنزل يتحول إلى علامة تميز العاملة عن غيرها في الأماكن العامة؟

وبين مؤيد يرى في الزي مظهرًا من مظاهر التنظيم، وآخر يرى أن ارتداءه خارج المنزل قد يمس خصوصية العاملة وشعورها بالاستقلالية، تتباين الآراء بشأن ممارسة لا تزال حاضرة في بعض المنازل، وسط تغير النظرة المجتمعية إلى طبيعة العمل المنزلي والعلاقة بين الأسرة والعاملة.

وتطرح هذه القضية أسئلة متعددة: هل يملك صاحب العمل حق تحديد ما ترتديه العاملة داخل المنزل وخارجه؟ أيختلف الأمر بين إذا كان ارتداء الزي يتم باتفاق سابق بين الطرفين وإذا أصبح شرطًا مفروضًا عليها؟ وما الأثر النفسي والاجتماعي الذي قد يتركه ذلك؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، تستعرض “البلاد” أبعاد هذه القضية من مختلف جوانبها، قانونيًا واجتماعيًا ونفسيًا وعمليًا، لرصد واقع الممارسة وتداعياتها المختلفة.

طلب متنامٍ

وعلى أرض الواقع، لا يبدو الزي الموحد للعاملات المنزليات منتجًا يصعب العثور عليه، بل أصبح جزءًا من معروضات السوق المحلية، ففي البحرين، توفر متاجر عدة متخصصة في الزي الموحد تصاميم مخصصة للعاملات المنزليات إلى جانب الأزياء المدرسية والطبية والمهنية، في مشهد يعكس حضور هذا النوع من الملابس بوصفه منتجًا متداولًا يسهل اقتناؤه. وبينما يشير هذا الانتشار إلى وجود طلب مستمر له، يظل الجدل قائمًا بشأن ما إذا كان الزي يقتصر على كونه لباسًا للعمل، أم أنه يحمل أبعادًا اجتماعية تتجاوز وظيفته الأساسية.

ممارسة شائعة

ولا يقتصر حضور الزي الموحد على رفوف المتاجر، بل يمتد إلى قائمة الشروط التي تضعها بعض الأسر قبل استقدام العاملة المنزلية، وفي هذا الصدد، يشير صاحب أحد مكاتب استقدام العاملات المنزليات راشد السندي إلى أن اشتراط ارتداء الزي الموحد أصبح من الممارسات الشائعة لدى الأسر البحرينية، حتى بات، بحسب وصفه، جزءًا من الثقافة السائدة عند استقدام العاملات.

ويوضح أن نحو 70 % إلى 80 % من الأسر تشترط ارتداء العاملة زيًا موحدًا، مبينًا أن هذا الشرط يُطرح في كثير من الأحيان منذ بداية إجراءات الاستقدام، ويعد من المتطلبات التي تحرص عليها شريحة واسعة من أصحاب العمل.

ولفت السندي إلى أن بعض العاملات، ولا سيما من جنسيات معينة، يبدين في البداية تحفظًا على بعض أنواع الزي، مثل ارتداء البنطال، إلا أنهن يتقبلن ذلك تدريجيًا مع مرور الوقت والتأقلم مع بيئة العمل.

مظهر موحد

ويرى السندي أن الزي الموحد يمنح العاملة مظهرًا أكثر ترتيبًا ونظافة، معتبرًا تخصيص زي للعاملات المنزليات لا يختلف عن اعتماد زي رسمي للعاملين في المطاعم أو المستشفيات أو غيرها من المهن التي تتطلب مظهرًا موحدًا يعكس طبيعة العمل.

وعلى رغم تأييده لفكرة الزي الموحد أثناء أداء العمل، يفرق السندي بين ارتدائه داخل المنزل وخارجه، مبينًا أنه لا يشجع على استمرار ارتداء العاملة للزي عند مرافقة الأسرة إلى المجمعات التجارية أو الأماكن العامة، ويفضل أن ترتدي في تلك الحالات ملابس عادية مناسبة للخروج، لأن ظهورها بالزي الموحد أمام الناس قد يسبب لها شعورًا بالحرج.

اتفاق مشترك

وفيما يرى أصحاب مكاتب الاستقدام أن الزي الموحد أصبح من الممارسات الشائعة لدى عدد من الأسر، تشير رئيسة جمعية البحرين لمكاتب الاستقدام منى الملا إلى أن ارتداء العاملة المنزلية للزي أثناء أداء عملها داخل المنزل لا يمثل، من واقع خبرة الجمعية، إشكالًا بحد ذاته، بل قد يكون أكثر راحة لها، لكونه يتيح حرية الحركة ويساعدها على أداء مهامها اليومية، مؤكدة أن الجمعية لم ترصد ما يشير إلى وجود ضرر من استخدامه داخل المنزل.

وأوضحت الملا أن الجمعية لم تتلقَ ملاحظات أو شكاوى تتعلق بارتداء الزي داخل المنزل، لافتة إلى أن بعض العاملات من جنسيات معينة قد يبدين حساسية تجاه بعض أنواع الملابس، إلا أن الأمر في مجمله يرتبط بما يتم الاتفاق عليه بين صاحب العمل والعاملة منذ بداية العلاقة التعاقدية.

مساحة شخصية

وفي المقابل، فرّقت الملا بين ارتداء الزي داخل المنزل وخارجه، معربة عن أمنيتها بأن تتيح الأسر للعاملات ارتداء ملابسهن الخاصة عند الخروج إلى الأماكن العامة، لما لذلك من أثر في تعزيز شعورهن بالراحة النفسية وعدم الإحراج.

وقالت إنه كما تختار الأسرة للعاملة الملابس المناسبة لأداء العمل داخل المنزل، فإنه من الممكن أيضًا إتاحة الفرصة لها لاختيار ملابس محتشمة ومناسبة عند الخروج، بما يراعي العادات والتقاليد ويمنحها مساحة من الحرية في اختيار مظهرها.

ضوابط قانونية

وبين اختلاف وجهات النظر بشأن الزي الموحد، يبرز تساؤل عن الحدود القانونية التي تنظم العلاقة بين صاحب العمل والعاملة المنزلية، وما إذا كان اشتراط ارتداء زي معين يدخل ضمن تنظيم العمل أو يمتد إلى مساحة تمس الحقوق الشخصية. ومن الناحية القانونية، يوضح المحامي عبدالعظيم حبيل أنه لا يوجد في التشريع البحريني نص صريح يمنع أو يجيز إلزام العاملة المنزلية بارتداء زي معين، مشيرًا إلى أن الأمر يُنظر إليه وفق طبيعة الشرط والهدف منه.

ويبين أن الاتفاق على ارتداء زي خاص أثناء أداء العمل قد يكون مقبولًا إذا كان الهدف منه تنظيم العمل أو المحافظة على المظهر العام، شريطة أن يتم ذلك برضا الطرفين، وألا يترتب عليه مساس بكرامة العاملة أو انتقاص من حقوقها.

أما في ما يتعلق بارتداء الزي خارج المنزل، فيوضح المحامي أن الأمر يختلف بحسب طبيعة الخروج والغرض منه، وما إذا كان مرتبطًا بأداء العمل أو قد يتحول إلى تمييز أو مساس بالحقوق الشخصية للعاملة.

ويؤكد أن اشتراط الزي قد يتحول من وسيلة لتنظيم العمل إلى مسألة تمس حقوق العاملة عندما يكون الغرض منه الإذلال أو التمييز، أو عندما يُفرض عليها في أوقات راحتها وخارج نطاق العمل دون مبرر، موضحًا أن سلطة صاحب العمل في التنظيم يجب أن تبقى مرتبطة بطبيعة العمل وألا تمتد إلى الحياة الخاصة للعامل.

ويضيف أن صاحب العمل يملك سلطة تنظيمية فيما يتعلق بأداء العمل داخل المنزل، ومن بينها وضع ضوابط معقولة بشأن الزي أو المظهر خلال ساعات العمل، إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة، ولا تجيز فرض شروط تمس الكرامة الإنسانية أو تقيد الحرية الشخصية دون سبب مشروع.

ويشير إلى أن القانون يقوم على تحقيق التوازن بين حقوق الطرفين، فمن حق صاحب العمل تنظيم شؤون منزله بما يضمن حسن سير العمل، وفي المقابل تتمتع العاملة المنزلية بحقوق أساسية، في مقدمتها الاحترام والكرامة الإنسانية وعدم التعرض لأي معاملة مهينة أو تمييزية.

سلطة مشروطة

من وجهة نظره القانونية، يوضح المحامي حبيل إن ارتداء العاملة المنزلية زيًا موحدًا لا يعد مخالفًا للقانون في حد ذاته، طالما كان الهدف منه تنظيم العمل، وتم في إطار من الاحترام والاتفاق بين الطرفين، إلا أن هذا الحق لا يكون مطلقًا إذا تحول الزي إلى وسيلة للتمييز أو الإذلال أو الانتقاص من شخصية العاملة.

ويؤكد أن عدم وجود نص تشريعي خاص ينظم هذه المسألة يجعل المرجع فيها المبادئ العامة، وفي مقدمتها المادة (19) من دستور مملكة البحرين التي تؤكد صون الكرامة الإنسانية والحرية الشخصية، إضافة إلى مبدأ عدم إساءة استعمال الحق، بحيث يكون الفيصل في كل حالة هو الغرض من اشتراط الزي، ومدى معقوليته، واحترامه لحقوق العاملة.

خلف القماش

لكن خلف الزي الذي يراه البعض مجرد مظهر من مظاهر تنظيم العمل، تبقى زاوية أخرى لا تظهر للعيان، وهي كيف تنظر العاملة نفسها إلى هذا الزي، وما إذا كان يمثل لها وسيلة للراحة أثناء أداء مهامها، أم يحمل شعورًا مختلفًا عندما ترتديه أمام الآخرين، فبين قطعة ملابس تُختار لأداء العمل، وشخص يرتديها ويحمل تجربته ومشاعره، يبرز البعد النفسي والاجتماعي لهذه الممارسة، خصوصًا عندما يكون ارتداء الزي خارج المنزل أو في الأماكن العامة.

وفي هذا الجانب، توضح المعالجة النفسية والأسرية ندى نسيم أن التأثير النفسي للزي الموحد يختلف من عاملة إلى أخرى، ولا يمكن تعميم أثره على الجميع، موضحة أن بعض العاملات يعتبرنه جزءًا من طبيعة العمل، بل قد يطلبنه أحيانًا لأنه يمنحهن شعورًا بالاحترافية ويعزز تقبل المجتمع لدورهن.

وفي المقابل، تشير إلى أن بعض العاملات يفضلن عدم ارتداء الزي خارج المنزل، باعتبار أن الأماكن العامة تمثل لهن مساحة يشعرن فيها بهويتهن الشخصية بعيدًا عن الدور الوظيفي، مؤكدة أن مراعاة رغبة العاملة كلما أمكن تنعكس إيجابًا على راحتها النفسية وشعورها بالتقدير.

صورة مختزلة

وعن أثر شعور العاملة بأنها تُعرّف أمام الآخرين من خلال زيها أكثر من شخصيتها، توضح نسيم أن الأمر يرتبط بعمر العاملة وخبرتها ونظرتها لدورها، فالعاملات الأكثر خبرة قد ينظرن إلى الزي باعتباره رمزًا للمسؤولية والثقة داخل المنزل، بينما قد تميل العاملات الأصغر سنًا إلى الرغبة في إبراز هويتهن الشخصية، وقد يشعرن بأن الزي يختزل شخصيتهن في الدور الوظيفي فقط، خصوصًا في الأماكن العامة.

وتشير إلى أن الشعور بالتمييز في المظهر عن بقية أفراد الأسرة قد يؤدي إلى آثار نفسية إذا ارتبط هذا الشعور بالمقارنة أو الإحساس بعدم المساواة، موضحة أن ذلك قد يولد مشاعر الإحباط أو انخفاض تقدير الذات للعاملة، وقد ينعكس مع مرور الوقت على الرضا الوظيفي والانتماء والرغبة في الاستمرار بالعمل.

وجع صامت

وتوضح نسيم أن بعض العلامات النفسية قد تظهر عندما تشعر العاملة بأن بعض متطلبات العمل تمس شخصيتها أو خصوصيتها، ومنها مشاعر الإحباط أو الانسحاب، والتذمر المستمر، وضعف الدافعية للعمل، والبكاء المتكرر، وقد يصل الأمر إلى التوتر أو الرغبة في العزلة، مشيرة إلى أن استمرار هذه المشاعر دون احتواء قد يؤثر في أدائها واستقرارها النفسي.

وتضيف أن العاملة المنزلية إنسانة تركت وطنها وأسرتها بحثًا عن مصدر رزق، ولذلك فإن معاملتها بما يحفظ كرامتها ويشعرها بالتقدير يعد أساسًا مهمًا في أي علاقة عمل ناجحة.

وتؤكد نسيم أن توفير بيئة عمل صحية نفسيًا يبدأ من التعامل الإنساني، لأن الإنسانية هي المعيار الأول في العلاقة مع العاملة المنزلية، فالاحترام، والتواصل اللطيف، وتقدير الجهد، واحترام الخصوصية، كلها عوامل تسهم في صنع بيئة نفسية آمنة، مشددة على أن الاحترام والتكافل ركيزة أساسية.

وتختتم نسيم بتأكيد أن العدالة والوضوح في التعامل بين الطرفين لا يقلان أهمية عن أي نظام يتم تطبيقه داخل المنزل، وأن احترام الإنسان يجب أن يبقى الأساس في أي علاقة عمل.

وعي متغير

ومع تغير طبيعة العلاقات المهنية والاجتماعية، لم تعد بعض الممارسات المرتبطة بالعمل المنزلي تمر دون نقاش، فالمجتمع الذي اعتاد نمطًا معينًا من التعامل مع هذه المهنة أصبح اليوم أمام أسئلة جديدة عن كيفية التوفيق بين متطلبات العمل وتغير المفاهيم المرتبطة به.

فالعاملة المنزلية لم تعد مجرد شخص يؤدي مهام محددة داخل المنزل، بل أصبحت جزءًا من منظومة عمل لها قواعدها وتحدياتها، وهو ما يجعل عددًا من التفاصيل اليومية، ومنها الزي، موضوعًا يستحق النظر من أكثر من زاوية.

وبينما تستمر هذه الممارسة في عدد من البيوت، يبقى الحوار بشأنها مرتبطًا بمدى قدرة المجتمع على تطوير أساليب التعامل مع المهن المختلفة، بما يواكب التحولات الاجتماعية ونظرة الأجيال الجديدة إلى طبيعة العمل.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى