جريدة البلاد | فواتير “المركبة” تقفز في شهرين

علوي الموسوي – رئيس قسم الصحافة الاستقصائية وتدقيق المعلومات:
علوي الموسوي – رئيس قسم الصحافة الاستقصائية وتدقيق المعلومات
-
“البلاد” ترسم خريطة طريق للحل: استثناءات بلدية وتصنيف جديد ودعم مؤقت
-
السلوم: “النواب” يتعامل مع ملف الأسر المركبة باعتباره قضية معيشية
-
بوعنق: يدنا في يد الحكومة من أجل الوصول إلى الحل
في يوليو الماضي لم تكن الأسر المركبة في البحرين تنتظر من يشرح لها معنى التعرفة، فقد شرحتها الفاتورة، إذ قفز متوسط ما تدفعه بعض هذه الأسر إلى نحو 400 دينار، بعدما كانت فواتيرها في صيف العام الماضي تراوح بين 90 و120 دينارًا فقط. زيادة تقترب من أربعة أضعاف، وقعت في بيوت لا يسكنها مسرفون بالضرورة، بل تسكن خلف عدادها الواحد عائلات عدة.
الفواتير لم تمهل حتى يأتي الحل، فكانت قيمة الاستهلاك ترتفع.
العسر واليسر
ولكي نفهم أساس الموضوع فإن من نعنيهم هم الأسر المركبة، وهو مصطلح يشير إلى وجود أكثر من أسرة تعيش تحت سقف منزل واحد، كأن يقيم الأبوان مع أبنائهما المتزوجين وأحفادهما، أو تجتمع أسر عدة من الورثة في بيت عائلي واحد، غير أن عداد الكهرباء والماء لا يرى جميع هذه الأسر، فهو يراها حسابًا واحدًا، ويجمع استهلاكها في فاتورة واحدة، ثم ينقلها سريعًا من الشرائح المدعومة إلى أعلى الشرائح كلفة.
إنها قصة عداد يحصي كل وحدة مستهلكة، لكنه لا يحصي العائلات، وقصة قرار شمل هذه الأسر في سطر، فيما لا تزال تنتظر أن يشملها في السعر.
ونمى إلى علم “البلاد” أن قرارا كان يُطبخ يفيد بدعم كل أسرة من الأسر المركبة لتخفيف التزاماتها بدفع فاتورة الكهرباء.
عداد لا يعد
ولتوضيح كيفية تأثير احتساب فواتير الكهرباء والماء في هذه الأسر التي تواجه ضغوطات مالية متزايدة، لا بد أن نعرف طريقة عمل العداد الذي لا يعد الأسر ويعد ما يستهلكون كأنهم أسرة واحدة، وهنا تبدأ المشكلة، فالشرائح المدعومة تحتسب للعداد، لا لعدد الأسر الفعلية التي تعتمد عليه.
وبحسب تعرفة الكهرباء المطبقة على المواطن البحريني في مسكنه الأول، تُحتسب أول 3000 وحدة بسعر 3 فلوس للوحدة، ومن 3001 إلى 5000 وحدة بسعر 9 فلوس، ومن 5001 إلى 7000 وحدة بسعر 16 فلسًا، فيما تُحتسب الوحدات التي تتجاوز 7000 بسعر 32 فلسًا للوحدة.
هذه الشرائح قد تكون مناسبة لأسرة واحدة، لكنها تنفد سريعًا حين تتقاسم العداد ثلاث أو أربع أسر، وبمجرد تجاوز الاستهلاك 7000 وحدة، تدخل الوحدات الإضافية نطاق التعرفة الأعلى، أي 32 فلسًا، فتكون كلفة الوحدة الواحدة أكثر من عشرة أضعاف سعرها في الشريحة الأولى.
الماء يقفز
ولا تختلف مشكلة المياه كثيرًا، إذ يُحتسب أول 60 مترًا مكعبًا بسعر 25 فلسًا للمتر المكعب، ومن 61 إلى 100 متر مكعب بسعر 80 فلسًا، بينما تقفز التعرفة لما يزيد على 100 متر مكعب إلى 775 فلسًا.
وبذلك يرتفع سعر المتر المكعب في الشريحة الثالثة إلى أكثر من تسعة أضعاف سعره في الشريحة الثانية، و31 ضعفًا تقريبًا مقارنة بالشريحة الأولى.
ومع تعدد الأسر خلف العداد نفسه، تستهلك الكميات المدعومة سريعًا، وتنتقل بقية الوحدات إلى الشريحة الأعلى كلفة، وهكذا تدفع الأسرة المركبة فاتورة لا تعكس إسرافًا فرديًّا، بل استهلاك أسر عدة تعاملها آلية الاحتساب كما لو كانت أسرة واحدة.
المشكلة، إذن، ليست في مقدار الاستهلاك وحده، وإنما في وحدة القياس نفسها؛ العداد يحصي الوحدات، لكنه لا يحصي العائلات، وهنا يتلخص لبّ المشكلة لأسر شملها قرار “المراعاة” في نصه، لكنها ما زالت تنتظر أن تشملها التعرفة في واقعها.
تداعيات وآثار
لخصنا وشرحنا المشكلة أعلاه، أما تداعيات وأثر المشكلة باقٍ ويتمدد، إذ جدد المواطنون عبر العديد من الطرق والآليات مطالباتهم للجهات المعنية بالإسراع في معالجة ما يعانونه، مشيرين إلى أن الوعود التي أُعلنت سابقًا بإيجاد حل لهم لم تترجم إلى إجراءات عملية حتى الآن.
وأوضحوا أن استمرار تطبيق التعرفات الحالية للكهرباء، خصوصًا بعد التعديلات التي أقرت العام الماضي، أدى إلى ارتفاع كبير في قيمة الفواتير، في ظل غياب أي تصحيح للأوضاع الخاصة.
وأشاروا إلى أن فاتورة الكهرباء الخاصة بشهري يوليو وأغسطس بلغت حد 400 دينار، واصفين الأمر بالمرهق وغير القابل للاستمرار، ولافتين إلى أن قيمة الفواتير ترتفع بصورة ملحوظة وكبيرة خلال فصل الصيف.
وفي حساب تعداد الأسر التي تقبع تحت مظلة الأسر المركبة فإن المعلومات غير الرسمية تشير إلى 30 ألف أسرة.
قضية ملحة
وقد حملت “البلاد” أسئلة نحو 30 ألف أسرة إلى رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس النواب أحمد السلوم، وسألته: أين وصلت معالجة الملف؟ ولماذا ما زالت تلك الأسر تدفع كلفة تأخر
الحل؟
وأجاب السلوم بتأكيد أن مجلس النواب يتعامل مع ملف الأسر المركبة باعتباره قضية معيشية ملحّة لا تحتمل مزيدًا من التأخير.
وقال السلوم: “اتخذ مجلس النواب موقفًا واضحًا وثابتًا بعدم تغيير تعرفة الكهرباء والماء المدعومة للمواطنين في المسكن الأول، وتمسك بألا تتحمل الأسرة البحرينية أعباء مالية تفوق قدرتها. وتأتي الأسر المركبة في صدارة الفئات التي ينبغي مراعاة ظروفها، لأنها تضم أكثر من عائلة تعيش خلف عداد واحد، ويجب وصع حل لعدم احتساب استهلاك جميع هذه العائلات كما لو كان استهلاك أسرة واحدة”.
وأضاف: “هناك توجه واضح لدى مجلس النواب بعدم تحميل هذه الأسر مشكلة لم تصنعها، ومساعٍ كبيرة وجادة تبذل بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة للتوصل إلى معالجة عادلة ومستدامة، تحفظ الدعم لمستحقيه وتراعي عدد الأسر الفعلي المقيمة في المسكن”.
وتابع السلوم: “ندعو الجهات المعنية إلى الإسراع في تنفيذ قرار مجلس الوزراء الصادر في 29 ديسمبر 2025 بشأن مراعاة الأسر المركبة، وتحويله إلى آلية عملية وحل حقيقي يلمسه المواطن في فاتورته، فالقرار جاء لمعالجة أوضاع هذه الأسر، وتأخر تنفيذه يبقي معاناتها قائمة ويضاعف المتأخرات المترتبة عليها”.
وأكد أن “مجلس النواب سيواصل متابعة الملف ودفعه نحو حل منصف، سواء من خلال تخصيص شرائح مدعومة تتناسب مع عدد الأسر المقيمة فعليًّا، أو السماح بتركيب عدادات مستقلة، أو اعتماد آلية دعم بديلة تحقق الغرض نفسه، فالمهم ألا تبقى الأسرة المركبة أسيرة عداد واحد وفاتورة لا تراعي واقعها”.
تأخرت الحلول
وعلى الجانب نفسه رأى عضو مجلس النواب خالد بوعنق أن ملف الأسر المركبة استغرق وقتًا أطول مما ينبغي، في حين تتضاعف معاناة المتضررين مع كل فاتورة جديدة.
وقال بوعنق: “لقد تأخرت الحلول، ولم يعد مقبولًا أن تبقى هذه الفئة في دائرة الانتظار، بينما تتراكم عليها فواتير تصل إلى مئات الدنانير شهريًا. نحن نتحدث عن أسر بحرينية متعددة تعيش في مسكن
واحد، لا عن منزل يستهلك الكهرباء والماء بإفراط، ولذلك لا بد من معالجة عاجلة تراعي عدد الأسر الحقيقي خلف كل عداد”.
وأضاف: “يدنا في يد الحكومة من أجل الوصول سريعًا إلى حل حقيقي وقابل للتنفيذ”.
وتابع بوعنق: “قرار مجلس الوزراء بمراعاة الأسر المركبة وفر الأساس اللازم للمعالجة، وما نحتاج إليه الآن هو الانتقال من القرار إلى التنفيذ، عبر آلية واضحة يشعر بها المواطن في قيمة فاتورته، لا أن تبقى المراعاة عبارة واردة في الأوراق فقط”.
وأكد أن “كل شهر يمر من دون حل يعني فواتير إضافية وديونًا جديدة وضغطًا أكبر على ميزانيات الأسر. ولذلك ندعو الجهات المعنية إلى التحرك السريع جدًّا، ودراسة الخيارات المتاحة، سواء بمنح كل أسرة استحقاقها من الشرائح المدعومة، أو تركيب عدادات منفصلة، أو تقديم دعم يعادل الفارق في التعرفة، وصولًا إلى حل عادل لا يُحمّل هذه الأسر ما يفوق قدرتها”.
إن وصول فاتورة الكهرباء والماء لدى بعض الأسر المركبة إلى نحو 400 دينار شهريًّا ينذر بارتفاع ديون الحسابات المنزلية البحرينية المدعومة لدى هيئة الكهرباء والماء، التي بلغت حاليًّا نحو 34 مليونًا و662 ألف دينار، فحين تقترب الفاتورة من نصف راتب بعض المواطنين، أو تتجاوزه، لا يعود التعثر احتمالًا بعيدًا، بل نتيجة متوقعة لعجز الأسرة عن الوفاء بمبلغ يفوق قدرتها المالية.
ومع كل شهر يمضي من دون معالجة خصوصية هذه المنازل، تنتقل المشكلة من فاتورة مرتفعة إلى متأخرات متراكمة، ثم إلى دين يصعب سداده، فتغدو الأسرة عالقة بين خدمة لا تستطيع الاستغناء عنها، وفاتورة لا تملك القدرة على دفعها.
حلول “البلاد”
أما بوابة الحل، فلا تمر عبر تعديل التعرفة وحده، بل تبدأ من إزالة العوائق البلدية والفنية التي تمنع الأسر المركبة من فصل العدادات، إذ تفيد شكاوى المتضررين بأن البلديات ترفض منذ فترة السماح بالفصل في عدد من المنازل القديمة، بسبب تصنيف العقار أو عدم مطابقته الاشتراطات الإنشائية الحديثة، فغالبية هذه البيوت قديمة، وبعضها يتكون من ثلاثة طوابق تسكنها أسر مستقلة، ولا تسمح مساحاته أو طبيعة بنائه بإنشاء العدد المطلوب من “طبيلات” كاشتراط لمواقف السيارات.
وتضع الاشتراطات الحالية أصحابها أمام حل بالغ الكلفة، يتمثل في إجراء تعديلات إنشائية جذرية، قد تصل إلى هدم المنزل ككل وإعادة بنائها، لمجرد فصل العدادات، وهو أمر لا تقدر عليه أسر عجزت أصلًا عن دفع فواتيرها.
ومن هنا، يبرز حل أول يقوم على استحداث تصنيفات تنظيمية جديدة للمنازل التي تضم أسرًا مركبة، ومنحها استثناءات مدروسة من بعض الاشتراطات البلدية، بعد معاينة كل منزل على حدة والتأكد من وجود أسر مستقلة فيه.
ويمكن تشكيل فريق مشترك من البلديات وهيئة الكهرباء والماء والدفاع المدني لدراسة الحالات، وتحديد الحل الفني الآمن لكل عقار، بدل إخضاع البيوت القديمة بالكامل لشروط المباني الجديدة.
والحل أعلاه يأتي مرافقًا مع اعتماد معالجة مالية عاجلة ومؤقتة، ولا سيما خلال أشهر الصيف، إما بمنح الأسر المركبة دعمًا استثنائيًّا، أو احتساب شرائح مدعومة إضافية تتناسب مع عدد الأسر المقيمة فعليًا، أو إسقاط الفوارق الناتجة عن انتقال استهلاكها إلى التعرفة الأعلى.
ويستمر هذا الدعم إلى حين تصحيح أوضاع المنازل وفصل العدادات، حتى لا تدفع الأسر ثمن تأخر الإجراءات وتعقيد الاشتراطات.
وقبل إصدار أي قرار تنظيمي جديد، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة تصنيفات العقارات القائمة واستحداث فئة خاصة بـ “المسكن متعدد الأسر”، فالحل لا ينبغي أن يضع الأسرة أمام خيارين كلاهما عسير: إما فاتورة تبلغ 400 دينار، وإما هدم البيت كي تحصل كل عائلة على عداد. المطلوب استثناء منضبط يراعي سلامة المبنى من جهة، والواقع الاجتماعي والمالي لهذه الأسر من جهة أخرى.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.