جريدة البلاد | هل ينبغي أن تكبر كل المؤسسات الصغيرة؟

-
بقاء المؤسسة صغيرة لا يعني بالضرورة فشلها، كما أن التوسع لا يعني بالضرورة نجاحها
-
الصغر ليس عيبا اقتصاديا فالحجم الأمثل يختلف باختلاف طبيعة النشاط
-
المطلوب ليس دفع جميع المؤسسات الصغيرة إلى التوسع، بل إزالة عوائق النمو أمام القابلة منها
-
نجـاح المؤسســـة لا يقاس بحجمها، بل بإنتاجيتها وربحيتها وقدرتها على الاستمرار
-
يجب التمييز بين الصغر الصحي والجمود الناتج عن عوائق النمو
-
التعاون بين المؤسسات الصغيرة يمكن أن يمنحها مزايا الحجم دون فقدان استقلاليتها
-
قد تصبح الإدارة المرتبطة بالمؤسس سقفا لنمو المؤسسة وتوسعها
-
زيادة العمالة لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاجية أو القدرة التنافسية
-
تمويل التأسيس لا يكفي لتمويل التوسع ودخول الأسواق الجديدة
-
المطلوب قاعدة واسعة من المؤسسات الصغيرة الحيوية إلى جانب مؤسسات متوسطة وشركات كبيرة قادرة على النمو
تمثل المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة العمود الفقري العددي للاقتصاد البحريني. فبحسب بيانات وزارة الصناعة والتجارة، تشكل هذه المؤسسات نحو 93.3 % من إجمالي السجلات التجارية في المملكة، ويملك البحرينيون قرابة 81 % منها، فيما تبلغ نسبة المؤسسات المملوكة للنساء نحو 39 %، والمؤسسات التي يملكها الشباب نحو 23 %.
أما من حيث المساهمة الاقتصادية، فقد أظهرت البيانات التي عرضها وزير الصناعة والتجارة أمام مجلس الوزراء في فبراير 2025 أن القيمة المضافة لقطاع المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة ارتفعت من نحو 4.2 مليارات دينار، بحسب بيانات الربع الثالث من 2023، إلى نحو 4.51 مليارات دينار وفق بيانات الربع الثالث من 2024، فيما سجل القطاع نمواً معلناً قدره 8.6 %. وتعكس هذه الأرقام اتساع الحضور الاقتصادي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وتدفع هذه الأهمية إلى طرح سؤالين مترابطين: لماذا لا تنتقل أعداد أكبر من المؤسسات البحرينية إلى الحجم المتوسط؟ وهل ينبغي أصلاً أن تتحول كل مؤسسة صغيرة إلى مؤسسة متوسطة ثم كبيرة؟
الإجابة الاقتصادية ليست واحدة في الحالتين. فبقاء المؤسسة صغيرة لا يعني بالضرورة فشلها، كما أن زيادة عدد الموظفين والفروع لا تعني بالضرورة نجاحها. والمطلوب ليس دفع جميع المؤسسات إلى التوسع، وإنما المحافظة على قاعدة واسعة من المؤسسات الصغيرة الحيوية والمنتجة، مع تحديد المؤسسات التي تمتلك القدرة والرغبة في النمو، وإزالة العوائق التي تمنعها من ذلك.
الصغر ليس عيباً اقتصادياً
تختلف أحجام المؤسسات المثلى باختلاف طبيعة النشاط. فالمصنع يحتاج عادة إلى حجم إنتاج معين لتوزيع تكاليف المعدات والطاقة والتسويق على عدد أكبر من الوحدات، بينما يستطيع مكتب استشاري أو شركة برمجيات أو مختبر متخصص تحقيق إنتاجية وربحية مرتفعتين بعدد محدود من العاملين.
وقد يكون توسع المطعم العائلي أو المؤسسة الحرفية إلى فروع كثيرة سبباً في تراجع الجودة وزيادة الديون وفقدان السيطرة الإدارية. وعلى العكس، تستطيع مؤسسة صغيرة متخصصة أن تصدر خدماتها أو منتجاتها إلى عدة دول من دون أن تتحول إلى شركة كبيرة بالمعنى التقليدي.
لذلك لا يقاس نجاح المؤسسة بحجمها المجرد، بل بمؤشرات أكثر دلالة: استقرار الأرباح، ونمو الإنتاجية، وقدرتها على دفع أجور مناسبة، والمحافظة على العملاء، وتطوير المنتجات، واستخدام التكنولوجيا، ومواجهة الصدمات، والاستمرار من دون اعتماد دائم على الدعم.
وتؤدي المؤسسات الصغيرة كذلك وظائف اجتماعية مهمة؛ فهي توسع قاعدة الملكية، وتوفر دخلاً مستقلاً للعائلات، وتفتح المجال أمام الشباب والنساء والمتقاعدين، وتلبي احتياجات محلية ومتخصصة قد لا تجد الشركات الكبرى جدوى في خدمتها. كما أنها تعزز المنافسة وتحد من التركز الاقتصادي.
وتؤكد التجربة الأوروبية ذلك؛ فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 99.8 % من الشركات في الاتحاد الأوروبي، فيما وظفت المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة وحدها نحو 77.5 مليون شخص، أو قرابة 48 % من إجمالي العاملين في قطاع الشركات. ولو كان بقاء المؤسسة صغيرة ظاهرة سلبية، لما ظلت هذه الفئة مكوناً أساسياً في أكثر الاقتصادات تقدماً، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.
الصغر الصحي والجمود غير الاختياري
لكن الدفاع عن المؤسسات الصغيرة لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع عن مؤسسات ضعيفة وغير منتجة. وهنا يجب التمييز بين الصغر الصحي والجمود الاقتصادي.
المؤسسة الصغيرة الصحية هي التي اختارت حجماً مناسباً لسوقها، وتحقق أرباحاً وتدفقات نقدية مستقرة، وترفع إنتاجيتها، وتستخدم التكنولوجيا، وتحافظ على عمالتها وعملائها. وقد تكون قادرة على التصدير أو تقديم خدمة عالية القيمة، رغم أن عدد موظفيها محدود.
أما المؤسسة الجامدة فهي التي تبقى صغيرة لأن التمويل أو ضعف الإدارة أو ضيق السوق يمنعها من تنفيذ فرص توسع حقيقية. وقد تستمر سنوات بمبيعات منخفضة، وهامش ربح ضعيف، واعتماد كبير على العمالة الرخيصة أو الدعم الحكومي. وفي هذه الحالة لا يكون الصغر خياراً اقتصادياً، بل نتيجة عوائق داخلية وخارجية.
وبالتالي لا يتمثل التحدي في البحرين في قلة المؤسسات التي أصبحت كبيرة، بل في غياب بيانات تفصيلية تبين عدد المؤسسات التي وصلت إلى حجمها الأمثل، وعدد التي تريد النمو ولكنها عاجزة عنه، وعدد التي تستمر رغم ضعف جدواها الاقتصادية.
السوق المحلية وسقف النمو
يعد صغر السوق البحرينية أحد القيود البنيوية، خصوصاً عندما تتجه مؤسسات كثيرة إلى الأنشطة نفسها؛ مثل المطاعم والمقاهي والتجزئة والمقاولات الصغيرة والخدمات العامة. فسهولة تأسيس بعض الأنشطة تخفض حواجز الدخول، لكنها تؤدي إلى ازدحام السوق وتقاسم طلب محدود بين أعداد متزايدة من المنافسين.
وتنتهي المنافسة غالباً إلى تخفيض الأسعار وهوامش الأرباح، بدلاً من تحسين الجودة والابتكار. وتظل المؤسسة منشغلة بتغطية المصروفات الشهرية، من دون تكوين فوائض مالية تمكّنها من تطوير منتجاتها أو دخول أسواق جديدة.
ولا يعني ذلك منع تأسيس مشروعات في هذه المجالات، بل تحسين دراسات السوق وتوجيه جانب أكبر من ريادة الأعمال نحو أنشطة تتمتع بطلب قابل للنمو، مثل التكنولوجيا المالية، والبرمجيات، والخدمات المهنية، والصناعات الغذائية والدوائية، والخدمات الصحية والتعليمية، والصناعات المساندة، وحلول الطاقة والخدمات اللوجستية.
تمويل التأسيس لا يكفي لتمويل التوسع
تختلف احتياجات المؤسسة التي تبدأ نشاطها عن احتياجات مؤسسة حصلت على عقد كبير أو تريد دخول السوق السعودية. فتمويل النمو يتطلب رأس مال عاملاً، وتمويل أوامر الشراء، وخصم الفواتير، وضمان الصادرات، والتمويل بالملكية، وليس مجرد قرض لشراء معدات أو تجهيز مقر.
وقد تكون المؤسسة مربحة ولديها عقود، لكنها تتعثر لأن عليها دفع الرواتب والمواد مقدماً، بينما لا تحصل على مستحقاتها إلا بعد عدة أشهر. لذلك يمثل اتفاق بنك البحرين للتنمية مع شركة ألمنيوم البحرين «ألبا» في أغسطس 2025 لتوفير خصم الفواتير لموردي «ألبا» من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مثالاً عملياً على أدوات تمويل النمو. فالآلية تحول المستحقات المؤجلة إلى سيولة تساعد المورد على تنفيذ أعمال جديدة، وفق لبنك البحرين للتنمية
ويمكن تعميم هذا النموذج على الشركات الكبرى والمؤسسات الحكومية، إلى جانب ربط التمويل بالعقود والتدفقات النقدية، وليس بالضمانات العقارية وحدها.
الإدارة قد تكون سقف المؤسسة
تبدأ مؤسسات كثيرة بمهارة يمتلكها المؤسس أو بمنتج يجيد بيعه، لكن إدارة مشروع صغير تختلف عن إدارة مؤسسة متوسعة. ومع زيادة العمليات، تظهر الحاجة إلى التخطيط المالي، وإدارة الموارد البشرية والمخزون، والتسعير، والتسويق، والحوكمة وتفويض الصلاحيات.
وتظل بعض المؤسسات مرتبطة كلياً بصاحبها؛ فهو المدير والبائع والمشتري وصاحب القرار. وبذلك يصبح نجاح المؤسس نفسه سقفاً لنمو المؤسسة، لأنها لا تستطيع العمل بالكفاءة ذاتها في غيابه. كما أن عدم الفصل بين الحسابات الشخصية وحسابات المشروع، وضعف السجلات المالية، يقللان قدرتها على الحصول على التمويل أو جذب شريك.
وقد خلصت دراسة حول نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البحرين إلى أن قصور القيادة الاستراتيجية وإدارة الموارد البشرية والاحتفاظ بالكفاءات من العوامل الأساسية وراء ركود بعض المؤسسات وتعثرها. وهذا يؤكد أن ضخ التمويل وحده لا يحل المشكلة.
الإنتاجية
قد تتوسع مؤسسة صغيرة عن طريق توظيف عمالة إضافية منخفضة التكلفة، من دون أن تزيد القيمة التي ينتجها العامل. وفي هذه الحالة تكبر المؤسسة عددياً، لكنها لا تصبح أكثر إنتاجية أو تنافسية.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الأقل إنتاجية لا تحقق في بعض الدول سوى نحو نصف إنتاجية الشركات الكبيرة. ولذلك يركز الاتجاه العالمي الحديث على الرقمنة والمهارات والابتكار والإدارة والوصول إلى الأسواق، بدلاً من النظر إلى زيادة العمالة باعتبارها الدليل الوحيد على النمو، وفق [منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ماذا تقول التجارب العالمية؟
توضح التجربة الألمانية أن المؤسسة تستطيع أن تبقى متوسطة أو صغيرة نسبياً، وتكون في الوقت نفسه منافساً عالمياً. ويضم نموذج Mittelstand آلاف الشركات العائلية المتخصصة التي تركز على الجودة والابتكار والتدريب والتصدير والاستمرار عبر الأجيال، بدلاً من السعي إلى التحول إلى تكتلات ضخمة. وبعضها أصبح من «الأبطال الخفيين» الذين يحتلون مواقع عالمية متقدمة في منتجات ومعدات دقيقة.
وفي إيطاليا، قدمت التجمعات الصناعية نموذجاً مختلفاً؛ إذ تتعاون مؤسسات صغيرة مستقلة في التصميم والإنتاج والتسويق والتصدير. وبدلاً من دمجها في شركة واحدة، تحصل على بعض مزايا الحجم الكبير من خلال الشبكة والتخصص وتقاسم الخدمات.
وتشير هذه التجارب إلى أن البديل عن تكبير كل مؤسسة هو مساعدتها على التخصص أو التعاون أو الاندماج في سلاسل القيمة.
ويمكن لعشر مؤسسات بحرينية صغيرة أن تنشئ منصة مشتركة للتصدير أو الشراء أو الخدمات المحاسبية والتقنية، فتحصل على مزايا الحجم من دون أن تفقد استقلاليتها.
سياسة مختلفة لثلاث فئات
تحتاج البحرين إلى سياسة تميز بين ثلاثة أنواع من المؤسسات. الأولى مؤسسات صغيرة ناجحة وصلت إلى حجمها المناسب، وهذه تحتاج إلى دعم الإنتاجية والرقمنة والاستدامة والتعاقب الإداري. والثانية مؤسسات قابلة للنمو، لكنها تواجه عوائق التمويل أو الإدارة أو دخول الأسواق، وهذه تحتاج إلى برنامج متخصص للتوسع. والثالثة مؤسسات ضعيفة تعتمد بصورة دائمة على الدعم، وهذه تحتاج إلى إعادة هيكلة أو اندماج أو خروج منظم من السوق.
ويقتضي ذلك إنشاء قاعدة بيانات سنوية عن مواليد المؤسسات وإغلاقاتها ومعدلات بقائها، ونمو مبيعاتها وإنتاجيتها، وانتقالها بين الأحجام. ويمكن إضافة «مؤشر الحيوية والاستدامة» للمؤسسات الصغيرة إلى جانب «مؤشر التحول الحجمي» للمؤسسات القابلة للتوسع.
تقسم المؤسسات الصغيرة إلى ثلاث فئات:

الخلاصة
لا تحتاج البحرين إلى تحويل جميع مؤسساتها الصغيرة إلى مؤسسات متوسطة أو كبيرة. فالمؤسسة الصغيرة الناجحة والمتخصصة والمستدامة تمثل قيمة اقتصادية واجتماعية ينبغي المحافظة عليها. وفي المقابل، يجب ألا يتحول الحفاظ على المؤسسات الصغيرة إلى إبقاء مشروعات ضعيفة وغير منتجة من خلال الدعم المستمر.
المطلوب هو منظومة متوازنة: قاعدة واسعة من المؤسسات الصغيرة الحيوية، وطبقة متنامية من المؤسسات المتوسطة، وعدد من الشركات الكبيرة القادرة على قيادة الاستثمار والتصدير. ومن ثم فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لا تكبر جميع المؤسسات الصغيرة؟ وإنما: أي المؤسسات ينبغي أن تكبر، وما الذي يمنعها من ذلك، وكيف نساعد بقية المؤسسات على أن تظل صغيرة ولكن منتجة وناجحة؟