غير مصنف

جريدة البلاد | البحرين وسوريا.. من عودة التجارة إلى رهانات الاستثمار

الأحد 23 أغسطس 2026



  • 553 % قفزة الصادرات البحرينية إلى سوريا


  • 22.2 % نمو التبادل التجاري خلال عام


  • 5.47 ملايين دينار حجم التجارة في 2025


  • 216 مليار دولار تقديرات إعادة إعمار سوريا

 

لم يعد السؤال في العلاقات الاقتصادية البحرينية السورية متعلقا بإمكان عودة التجارة بين البلدين بقدر ما يتعلق بشكل العلاقة التي يمكن بناؤها في المرحلة المقبلة فالتغيرات التي شهدتها سوريا منذ 2025 أعادت فتح سوق ظلت لسنوات تعمل تحت قيود سياسية ومالية وتجارية استثنائية وفي الوقت ذاته بدأت حركة القطاع الخاص بين البلدين تستعيد زخمها لتضع البحرين أمام فرصة تحتاج إلى قراءة تتجاوز حجم التجارة الحالي إلى موقعها المحتمل داخل دورة التعافي وإعادة الإعمار السورية.

واللافت أن التجارة بدأت بالفعل في إعطاء إشارات مبكرة لهذا التحول فبحسب البيانات الرسمية ارتفع حجم التجارة بين البحرين وسوريا بنحو 22.2 %  خلال 2025 من قرابة 4.47 ملايين دينار إلى نحو 5.47 ملايين دينار لكن خلف هذه النسبة حدث تغير أكثر أهمية إذ قفزت الصادرات البحرينية إلى السوق السورية بأكثر من خمسة أضعاف في الوقت الذي تراجعت فيه الواردات نسبيا.

ورغم هذا النمو لا تزال سوريا تمثل نحو 0.05 %  فقط من تجارة البحرين غير النفطية وهي نسبة تكشف أن العلاقة ما تزال صغيرة من حيث الوزن الفعلي لكن صغر الحصة الحالية لا يقلل من أهمية التحول بل يوضح حجم المساحة المتاحة للنمو إذا انتقلت العلاقة من تجارة محدودة إلى شراكة أوسع في الاستثمار والتمويل وسلاسل التوريد.

تجارة تتغير في الاتجاه والتركيبة

كانت العلاقة التجارية في 2024 تميل بصورة كبيرة إلى اتجاه واحد؛ البحرين تستورد من سوريا أكثر بكثير مما تصدر إليها فقد بلغت الواردات البحرينية من السوق السورية نحو 4.19  ملايين دينار بينما لم تتجاوز الصادرات البحرينية إليها 282 ألف دينار لكن هذه المعادلة تغيرت بصورة واضحة في العام التالي.

قفزت صادرات البحرين إلى سوريا إلى نحو 1.84 مليون دينار في 2025 بنمو تجاوز 553 % بينما تراجعت الواردات بنحو 13.5 % إلى 3.62 ملايين دينار ونتيجة لذلك تقلص العجز التجاري البحريني من قرابة 3.91  ملايين دينار إلى 1.78 مليون دينار أي بتحسن تجاوز 54 %.

والأكثر دلالة هو ارتفاع نسبة تغطية الصادرات للواردات من نحو 6.7 %  في 2024 إلى 50.9 % في 2025 أي أن البحرين كانت تصدر إلى سوريا ما يعادل أقل من 7 دنانير مقابل كل 100 دينار تستوردها منها قبل أن ترتفع النسبة إلى أكثر من 50 دينارا في العام التالي.

اقتصاديا لا تكمن أهمية هذه القفزة في حجمها المطلق فالسوق السورية لا تزال صغيرة ضمن خريطة التجارة الخارجية البحرينية الأهمية تكمن في اتجاه الحركة وسرعة تغيرها.

كما أن التحول لم يكن كميا فقط بل امتد إلى تركيبة الصادرات نفسها ففي 2024 كان الألمنيوم يستحوذ على قرابة 72 %  من صادرات البحرين إلى سوريا قبل أن تتراجع حصته إلى نحو 14.8 %  في 2025 رغم ارتفاع قيمته بنحو 35 %.

وهذه نقطة مهمة لأن انخفاض الحصة لم ينتج عن تراجع صادرات الألمنيوم وإنما عن توسع أسرع في المنتجات الأخرى من الأغذية والمركبات إلى الآلات والمعدات والمنتجات الصناعية وبالتالي فإن القفزة التجارية جاءت مصحوبة بتنويع أكبر في القاعدة التصديرية.

الغذاء مقابل الصناعة.. ملامح تكامل ممكن

في الاتجاه المقابل تحتفظ سوريا بدور مختلف داخل التجارة مع البحرين.

فالواردات منها لا تزال تتركز بدرجة كبيرة في المنتجات الزراعية والغذائية وكانت الطماطم وحدها مسؤولة عن أكثر من ثلث واردات البحرين من سوريا في 2025.

وهنا تظهر ملامح تكامل اقتصادي واضح: سوريا تمتلك قاعدة زراعية بينما تمتلك البحرين قاعدة صناعية ومالية وخدمية أكثر تطورا.

لكن القيمة الاقتصادية الأكبر لن تتحقق إذا بقيت العلاقة عند حدود شراء الغذاء مقابل بيع المنتجات المصنعة الفرصة تكمن في الانتقال من تبادل المنتجات إلى الاستثمار في سلاسل إنتاجها.

فسوريا تمتلك الأراضي والخبرة الزراعية لكنها تحتاج إلى رأس المال والبنية اللوجستية والتكنولوجيا والتخزين والتعبئة ومن هنا يمكن للمستثمر البحريني أن ينظر إلى القطاع الزراعي السوري ليس بوصفه مصدرا للاستيراد فقط بل مجالا للاستثمار في التخزين المبرد والتصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف والنقل.

الميزة في هذا النموذج أنه يحقق مصلحة مزدوجة فهو يوجه رأس المال البحريني إلى نشاط إنتاجي داخل سوريا وفي الوقت ذاته يضيف مصدرا محتملا ومستقرا نسبيا لسلاسل الإمداد الغذائي المتجهة إلى البحرين والخليج.

وفي الاتجاه الآخر فإن وجود الألمنيوم أصلًا ضمن الصادرات البحرينية إلى سوريا يعني أن الصناعة البحرينية لا تبدأ من نقطة الصفر ويمكنها الانتقال تدريجيًا من البيع المباشر إلى الدخول ضمن سلاسل توريد مشاريع إعادة الإعمار.

إعادة الإعمار.. الحاجة تفوق قدرة الاقتصاد المحلي

تقديرات إعادة الإعمار السورية تضع حجم الفرصة في سياق مختلف تماما فتكلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة تقدر بنحو 216  مليار دولار أهمية هذا الرقم لا تكمن في ضخامته وحدها وإنما عند مقارنته بحجم الاقتصاد السوري نفسه الذي يقدّر بنحو 21.4 مليار دولار.

بمعنى آخرتعادل فاتورة إعادة الإعمار نحو 10 أضعاف حجم الاقتصاد السوري.

وهذا الاختلال يجعل الاعتماد على التمويل الخارجي ورؤوس الأموال والشراكات الإقليمية ضرورة لا مجرد خيار إضافي فاقتصاد بهذا الحجم لا يستطيع تمويل دورة إعادة إعمار بهذا الاتساع اعتمادا على موارده الداخلية وحدها.

لكن هذا لا يعني أن الفرصة البحرينية تكمن في منافسة الاقتصادات الخليجية الأكبر على المشروعات العملاقة

فالأنسب هو البحث عن الحلقات التي تمتلك فيها البحرين ميزة نسبية مثل الألمنيوم والكابلات والصناعات الهندسية الخدمات المالية، الغذاء وسلاسل التبريد الصناعات الدوائية والخدمات اللوجستية.

وهنا تتغير المعادلة من البحث عن “مشروع بحريني ضخم في سوريا” إلى البحث عن حصة بحرينية داخل المشروعات التي تنفذها شركات إقليمية ودولية سواء عبر التوريد أو التمويل أو الخدمات.

التمويل قد يكون أهم صادرات البحرين

الفرصة البحرينية الأكثر وضوحا قد لا تكون سلعة أصل فالأنشطة المالية والتأمينية أصبحت أكبر الأنشطة غير النفطية مساهمة في الاقتصاد البحريني بحصة بلغت نحو 17.6 % من الناتج المحلي الحقيقي في 2025 فيما تجاوزت أصول النظام المصرفي البحريني 254 مليار دولار بنهاية العام بينها أكثر من 67 مليار دولار لدى المصارف الإسلامية.

هذه الأرقام لا تعني أن تلك الأصول متاحة لتمويل سوريا لكنها توضح حجم الخبرة المؤسسية والمالية التي تمتلكها المملكة.

وفي المقابل تواجه سوريا احتياجات تمويلية تتجاوز كثيرا قدرتها الاقتصادية المحلية ما يجعل إعادة بناء النظام المالي وقنوات التمويل جزءا أساسيا من عملية التعافي.

ومن هنا يمكن أن تتحرك البحرين في مجالات تمويل التجارة والاعتمادات المستندية والتأمين وإعادة التأمين والصيرفة الإسلامية والتكنولوجيا المالية والاستشارات وإدارة وترتيب التمويل.

كما أن وجود خبرة سابقة لمعهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية في تدريب كوادر مصرفية سورية يوفر قاعدة يمكن البناء عليها في تطوير القدرات والحوكمة وإعادة تأهيل القطاع المصرفي.

والأهم أن هذه الفكرة لا تأتي من الجانب البحريني وحده فقد أبدى الجانب السوري نفسه اهتماما بتنشيط الاستثمارات في الخدمات المالية والاستفادة من الخبرة البحرينية.

أي أن هناك تقاطعا واضحا بين ما تحتاج إليه سوريا وما تمتلك فيه البحرين ميزة تنافسية.

من المبادرات الفردية إلى استراتيجية مؤسسية

رغم ذلك يبقى وجود الفرصة مختلفا عن القدرة على اقتناصها فالتحركات الاستثمارية البحرينية نحو سوريا لا تزال في مرحلة مبكرة وبعضها يأخذ طابع المبادرات الفردية وفي المقابل بدأت شركات ورؤوس أموال خليجية وإقليمية أخرى تتحرك نحو السوق السورية.

وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ تكلفة الانتظار.

فالمستثمر الذي يدخل مبكرا لا يحصل فقط على المشروع الأول بل يبني شبكة من الموردين والشركاء والعلاقات ومعرفة بالسوق تمنحه أفضلية عندما تتوسع دورة الاستثمار لاحقا.

ومن هذه الزاوية تكتسب التحركات بين غرفة تجارة وصناعة البحرين واتحاد غرف التجارة السورية أهمية تتجاوز البعد البروتوكولي فالعمل على تنظيم منتدى بحريني سوري ولقاءات B2B وتبادل الوفود التجارية يمثل خطوة نحو تحويل الحديث العام عن الفرص إلى مشروعات وشركاء وقرارات استثمارية قابلة للتنفيذ.

كما أن طرح الاستفادة من خبرة البحرين في التحكيم التجاري وتسوية المنازعات يضيف بعدا مهما فالمستثمر لا يبحث عن العائد فقط بل عن حماية العقد وسرعة الفصل في النزاعات وضمان الحقوق وبالتالي تستطيع البحرين أن تقدم لسوريا أكثر من رأس المال والسلع تستطيع أن تقدم خبرة مؤسسية تساعد أصلا على جعل بيئة الاستثمار أكثر قابلية لجذب رأس المال.

نافذة مفتوحة.. لكنها لن تبقى بلا منافسة

ما حدث في 2025 يقدم إشارة أولية لا ينبغي تجاهلها. التجارة ارتفعت الصادرات البحرينية قفزت بأكثر من خمسة أضعاف العجز تقلص بأكثر من النصف والقاعدة التصديرية أصبحت أكثر تنوعًا.

وفي الوقت نفسه لا تزال سوريا تمثل نحو 0.05 % فقط من تجارة البحرين غير النفطية ما يعني أن نقطة البداية ما تزال صغيرة جدا مقارنة بالإمكانات المحتملة.

وهنا تكمن المفارقة التي يجب أن تقود الاستراتيجية البحرينية: السوق الحالية صغيرة، لكن دورة الاقتصاد التي يجري بناؤها كبيرة.

المطلوب لذلك ليس الاندفاع غير المحسوب ولا الانتظار حتى تصبح كل المتغيرات مستقرة بل دخول تدريجي ومنظم يبدأ بالقطاعات التي تمتلك فيها البحرين أفضلية واضحة: التمويل، الصناعات المرتبطة بإعادة الإعمار الغذاء وسلاسل التبريد والخدمات اللوجستية.

فالتجارة أثبتت خلال عام واحد أن السوق السورية قادرة على استيعاب حضور بحريني أكبر والسؤال الذي تطرحه المرحلة المقبلة لم يعد ما إذا كانت الفرصة موجودة بل هل تتحول القفزة التجارية التي بدأت في 2025 إلى موطئ قدم استثماري بحريني قبل أن تتوزع خريطة السوق الجديدة بين المنافسين؟

 

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى