جريدة البلاد | الاقتصاد البرتقالي في الخليج: من الثقافة إلى صناعة بمليارات الدولارات

لم يعد الفن والتصميم والألعاب الإلكترونية والسينما والموسيقى وصناعة المحتوى مجرد أنشطة ثقافية على هامش الاقتصاد، ففي دول الخليج، تتحول هذه الأنشطة تدريجياً إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، مدفوعاً بالتحول الرقمي والاستثمار في السياحة والثقافة والترفيه، وبمساعي الحكومات لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.
ويُعرف هذا القطاع عالمياً بـالاقتصاد الإبداعي أو «الاقتصاد البرتقالي»، وهو مفهوم يشمل الأنشطة التي تكون فيها الأفكار والإبداع والملكية الفكرية المدخل الأساسي لإنتاج القيمة؛ ومن بينها الإعلان، والهندسة المعمارية، والتصميم، والأزياء، والفنون، والموسيقى، والسينما، والإعلام، والنشر، والألعاب الإلكترونية والبرمجيات، إضافة إلى التراث والحرف والصناعات الثقافية.
اقتصاد عالمي يتجاوز تريليوني دولار
تؤكد أحدث البيانات التي نشرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أن الصناعات الثقافية والإبداعية باتت تمثل نحو 3.1 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتوفر قرابة 50 مليون وظيفة حول العالم، بما يعادل نحو 6.2 % من إجمالي العمالة العالمية.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول الصناعات الإبداعية من أنشطة ثقافية وفنية تقليدية إلى قطاع اقتصادي مؤثر، يمتد من السينما والموسيقى والنشر والفنون إلى التصميم والإعلان والألعاب الإلكترونية والمحتوى الرقمي وغيرها من الأنشطة القائمة على الإبداع والملكية الفكرية.
لكن التحول الأكثر أهمية يحدث في التجارة الرقمية، قد بلغت صادرات الخدمات الإبداعية عالمياً 1.4 تريليون دولار في 2022، بارتفاع 29 % مقارنة بعام 2017، فيما بلغت صادرات السلع الإبداعية 713 مليار دولار بزيادة 19 %. وأصبحت الخدمات الإبداعية تمثل نحو 19 % من إجمالي صادرات الخدمات العالمية، مقابل 12 % قبل عقد.
واللافت أن البرمجيات استحوذت وحدها على 41.3 % من صادرات الخدمات الإبداعية العالمية، تليها خدمات البحث والتطوير بـ30.7 %، ثم الإعلان وأبحاث السوق والهندسة المعمارية بـ15.5 %، والخدمات السمعية والبصرية بـ7.9 %. وهذا يوضح أن الاقتصاد البرتقالي الحديث لم يعد مرادفاً للفنون التقليدية، بل أصبح شديد الارتباط بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والألعاب والمنتجات الرقمية.
الإمارات تتصدر خليجياً في التجارة والاستثمار الإبداعي
تبرز الإمارات بوصفها المركز الخليجي الأكثر اندماجاً في التجارة الدولية للسلع الإبداعية. ووفق أحدث قاعدة مقارنة منشورة في تقرير «أونكتاد»، بلغت صادراتها من السلع الإبداعية نحو 17 مليار دولار في 2022، لتدخل قائمة أكبر عشرة مصدرين في العالم، وتصبح واحدة من أكبر خمس اقتصادات نامية مصدرة لهذه السلع.
وبلغت واردات الإمارات الإبداعية في العام نفسه 19.5 مليار دولار، أي نحو 4.6 % من إجمالي وارداتها السلعية و3.1 % من واردات السلع الإبداعية في العالم.
أما أحدث المؤشرات الاستثمارية فتأتي من دبي. ففي 2024 استقطبت الإمارة 971 مشروعا استثماريا أجنبيا مباشرًا جديدًا في الصناعات الثقافية والإبداعية، مقابل 898 مشروعًا في 2023، بنمو 8 %.
وبلغت التدفقات الرأسمالية لهذه المشروعات 18.86 مليار درهم، بزيادة تقارب 60 %، وأسهمت في خلق 23,517 وظيفة جديدة، بزيادة 9 % عن العام السابق. وتضمنت القطاعات المستفيدة الإعلان والعلاقات العامة والبرمجة وصناعة الأفلام والإعلام والألعاب والتصميم والذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
وعلى المستوى الاتحادي، تستهدف استراتيجية الإمارات للصناعات الثقافية والإبداعية رفع مساهمة القطاع إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، ومضاعفة عدد المنشآت العاملة فيه وخلق وظائف جديدة وجذب الشركات الناشئة والمستقلين والمواهب الإبداعية.
وتشير مادة بحثية منشورة على موقع وزارة الثقافة الإماراتية في 2026 إلى أن مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية تقدر حالياً بنحو 3 % من الناتج الوطني، وإن كانت الدولة تعمل في الوقت نفسه على تحديث نموذجها الإحصائي بالتعاون مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية للحصول على قياس أكثر دقة.
وفي أحد أحدث مؤشرات الصناعات الرقمية والإعلامية، أعلنت الإمارات في يونيو 2026 أن إيرادات دور السينما خلال 2025 تجاوزت 734 مليون درهم عبر أكثر من 14.8 مليون تذكرة، فيما وصلت إيرادات الألعاب الإلكترونية إلى 2.7 مليار درهم، مع وجود أكثر من 15 ألف صانع محتوى مرخص.
السعودية: أكثر من 234 ألف وظيفة ثقافية
تسير السعودية في مسار سريع لتحويل الثقافة والترفيه والأفلام والأزياء والألعاب إلى قطاعات اقتصادية ضمن رؤية 2030.
وبحسب تقرير برنامج جودة الحياة لعام 2024، أقيم 3,327 فعالية ثقافية خلال العام، فيما تجاوز عدد العاملين في الصناعات الثقافية 234 ألف شخص.
وفي أحدث تقرير سنوي لرؤية السعودية 2030 عن عام 2025، تظهر مؤشرات على استمرار الارتفاع في التوظيف والاستثمار الثقافي، مع تجاوز الاستثمارات المعلنة في القطاع الثقافي 500 مليون دولار، بالتوازي مع تدفقات استثمار أجنبي مباشر بنحو 500 مليون دولار وفق التقرير.
وتضع الاستراتيجية الثقافية السعودية مساهمة القطاع المستهدفة عند نحو 3 % من الناتج المحلي الإجمالي، مع تطوير 16 مجالاً ثقافياً تشمل الأفلام والموسيقى والأزياء والتصميم وفنون الطهي والأدب والنشر والمتاحف والتراث والمهرجانات.
وهذا يجعل السعودية والإمارات قطبي النمو الأساسيين في الاقتصاد الإبداعي الخليجي، لكن باختلاف النموذج: الإمارات تتميز حالياً بقوة التجارة الدولية والاستثمار واستقطاب المواهب، في حين تدفع السعودية توسعاً كبيراً في حجم السوق المحلي والطلب والوظائف والبنية التحتية الثقافية والترفيهية.
قطر: الفنون والترفيه تنمو ثلاثة أضعاف الاقتصاد تقريباً
تكشف بيانات المجلس الوطني للتخطيط في قطر أن أنشطة الفنون والترفيه والتسلية سجلت نمواً حقيقياً قدره 7.5 % خلال 2024.
وهذه النسبة تفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف معدل النمو الحقيقي للاقتصاد القطري ككل، الذي بلغ 2.4 % في العام نفسه.
ووصل الناتج المحلي الحقيقي إلى نحو 713 مليار ريال قطري في 2024، فيما استحوذت الأنشطة غير الهيدروكربونية على حوالي 64 % من الناتج.
ورغم عدم توفر حساب قطري مستقل شامل للاقتصاد البرتقالي في المصادر الرسمية المنشورة، فإن نمو الفنون والترفيه بنسبة 7.5% يعكس توسع جانب مهم منه، مدفوعاً بالبنية الثقافية والمتاحف والفعاليات والسياحة والرياضة وصناعات المحتوى.
الكويت: ظاهرة لافتة في واردات السلع الإبداعية
تظهر الكويت بصورة مختلفة في بيانات التجارة الإبداعية العالمية.
فقد بلغت وارداتها من السلع الإبداعية 7.8 مليار دولار في 2022، لتحتل المرتبة السادسة بين الاقتصادات النامية المستوردة للسلع الإبداعية.
والأكثر إثارة للاهتمام أن هذه السلع شكلت نحو 24 % من إجمالي واردات الكويت السلعية وفق تصنيف «أونكتاد»، وهي نسبة استثنائية عالمياً.
ويعود جزء كبير من الرقم إلى المجوهرات؛ إذ استوردت الكويت وحدها ما قيمته 4.3 مليار دولار من المجوهرات خلال ذلك العام.
ويجب التعامل مع هذا المؤشر بحذر، لأن تصنيف «أونكتاد» للسلع الإبداعية يضم التصميم والمجوهرات والإكسسوارات إلى جانب المنتجات الثقافية الأكثر تقليدية، وبالتالي لا يعني الرقم أن ربع الاقتصاد الكويتي «اقتصاد إبداعي»، وإنما أن السلع المصنفة إبداعياً تشكل حصة مرتفعة للغاية من تجارة الواردات.
عُمان: من الحرف إلى استراتيجية استثمار عشرية
لا تتوفر حتى الآن نسبة حديثة وموحدة منشورة لمساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج العُماني، إلا أن السياسة الاقتصادية تتحرك نحو إعطاء القطاع دوراً أكبر.
ويشير تقرير رؤية عُمان 2040 لعامي 2024-2025 إلى تطوير استراتيجية استثمار شاملة لمدة عشر سنوات للصناعات الثقافية والإبداعية بالتعاون بين الجهات الحكومية وخبرات دولية متخصصة.
كما سلط تقرير «أونكتاد» الضوء على تجربة عُمان في مسابقة «الابتكار في الصناعات الحرفية»، التي تربط المواد الطبيعية والتقنيات الحديثة بالحفاظ على الحرف التقليدية وتحويلها إلى منتجات قابلة للاستمرار اقتصادياً.
وهنا تبرز فرصة عُمان بصورة خاصة في الجمع بين التراث والحرف والتصميم والسياحة الثقافية بدلاً من منافسة المراكز الخليجية الأخرى في النشاط الإعلامي الرقمي وحده.
ماذا تقول الأرقام البحرينية المتاحة؟
بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبحرين نحو 15.18 مليار دينار في 2024، وبلغ الناتج غير النفطي 12.95 مليار دينار، بما يعادل 85.3 % من الاقتصاد. ونما القطاع غير النفطي بنسبة 4.05 % خلال العام مقابل نمو اقتصادي عام بلغ نحو 2.9 %.
ويمكن العثور على أجزاء من الاقتصاد الإبداعي داخل الحسابات القومية، ولكن لا يجوز جمعها ببساطة واعتبارها «الاقتصاد البرتقالي».
فعلى سبيل المثال، أظهرت البيانات الفصلية لعام 2025 أن نشاط الفنون والترفيه والتسلية ساهم بنحو:
– 0.435 % من الناتج في الربع الأول من 2025.
– 0.360 % في الربع الثاني.
– 0.371 % في الربع الثالث.
لكن هذه النسب تمثل تعريفاً ضيقاً للغاية؛ فهي لا تشمل التصميم والإعلان والإنتاج الإعلامي والهندسة المعمارية والنشر والبرمجيات والألعاب وصناعة المحتوى والحرف والمجوهرات وغيرها من الأنشطة التي تدخل دولياً ضمن الاقتصاد الإبداعي.
وللمقارنة، ساهم قطاع المعلومات والاتصالات وحده بنحو 3.87 % من الناتج البحريني في الربع الأول و3.84 % في الربع الثاني من 2025، إلا أن جزءاً فقط من هذا القطاع يدخل ضمن الاقتصاد البرتقالي.
وبالتالي فإن اعتبار نسبة «الفنون والترفيه» البالغة نحو 0.4 % حجماً للاقتصاد البرتقالي البحريني سيؤدي إلى تقليل حجمه الحقيقي على الأرجح، بينما اعتبار قطاع المعلومات والاتصالات بأكمله جزءاً منه سيؤدي إلى تضخيمه.
البحرين لديها أساس تجاري تاريخي مهم
تظهر بيانات «أونكتاد» التاريخية أن البحرين لم تكن غائبة عن تجارة السلع الإبداعية.
فقد وصلت صادرات السلع الإبداعية البحرينية إلى 548.8 مليون دولار في 2014 مقابل واردات بلغت 446.9 مليون دولار، لتحقق فائضاً تجاوز 101 مليون دولار.
وكانت منتجات التصميم، بما فيها المجوهرات والأزياء والإكسسوارات والتصميم الداخلي، مسؤولة عن الجزء الأكبر من الصادرات، بقيمة تقارب 538 مليون دولار.
وتشير دراسة أكاديمية حديثة منشورة في 2026، مستندة إلى بيانات «أونكتاد»، إلى أن البحرين من اقتصادات الشرق الأوسط التي تلعب فيها الخدمات الإبداعية دوراً مهماً، وأن نسبتها من الصادرات الإبداعية تتجاوز السلع الإبداعية في بعض القياسات.
أين تكمن الفرصة البحرينية؟
الميزة البحرينية ليست في محاولة محاكاة حجم السوق السعودي أو القدرات الاستثمارية الإماراتية، وإنما في بناء اقتصاد إبداعي متخصص وعالي القيمة وقابل للتصدير.
فالبلاد تمتلك قاعدة يمكن أن تجمع بين تاريخ اللؤلؤ والمجوهرات والحرف التقليدية والتصميم والفنون، وبين قطاعات أكثر حداثة مثل التكنولوجيا المالية والألعاب وصناعة المحتوى والإعلان والتصميم الرقمي.
كما توفر الجغرافيا الصغيرة ميزة عملية: فمن الممكن تطوير منظومة مترابطة بين الفنان والمصمم والجامعة والممول والشركة والحاضنة والمنصة الرقمية في مساحة اقتصادية صغيرة نسبياً، ثم استخدام السوق الخليجية التي يتجاوز عدد سكانها 60 مليون نسمة كسوق توسع طبيعي.
وتدعم هيئة البحرين للثقافة والآثار بالفعل الحرف والصناعات الإبداعية عبر مبادرات مثل «صنع في البحرين» ومركز الجسرة للحرف، مع التركيز على تحديث المنتج الحرفي والمحافظة على هويته وتسويقه محلياً وعالمياً.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.