غير مصنف

جريدة البلاد | شارع البديع.. من “حافلات بابكو” إلى 140 ألف مركبة

الأربعاء 19 أغسطس 2026


لم يكن شارع البديع في بداياته بالشكل الذي يبدو عليه اليوم؛ إذ تشير الترجيحات التاريخية المحلية إلى أن شركة نفط البحرين “بابكو” تولت أول رصف له خلال ثلاثينات القرن الماضي، ليصبح طريقًا مباشرًا لحافلات الشركة التي كانت تجمع العمال القاطنين في قرى الشريط الشمالي وتنقلهم يوميًا باتجاه مواقع العمل.

مرّ شارع البديع بأربع مراحل رئيسة غيّرت شكله ووظيفته، فبدأ طريقًا يخدم انتقال العمال بين القرى ومواقع النفط، ثم تحول إلى شارع مزدوج ينظم حركة التجمعات السكانية، قبل أن يرتبط بشبكة الطرق السريعة، وصولًا إلى مشروع التوسعة الحالي الذي يستهدف إعادة بنائه كمحور مروري يستوعب 140 ألف مركبة يوميًا.

وكان الشارع حينها طريقًا مفردًا تحيط به المزارع والبساتين وأشجار النخيل واللوز والكنار، ويجمع شريطًا طويلًا من القرى التي كان سكانها يعملون في الزراعة والبحر قبل أن يلتحق كثير منهم بأعمال النفط. 

الذكريات المرتبطة بشارع البديع في مملكة البحرين واستخدام عربات الدواب والحمير تعود إلى فترة منتصف القرن العشرين وما قبله، إذ كانت الحمير و “عربات الكاري” الخشبية وسيلة رئيسة لنقل البضائع، والمحاصيل الزراعية، وتنقل الأهالي بين القرى والمزارع الممتدة على امتداد شارع البديع قبل انتشار السيارات بشكل واسع.

وتوثّق صور تعود إلى ستينات القرن الماضي عمليات رصف الشارع، بما يعكس خضوعه منذ وقت مبكر لأعمال تحسين متعاقبة واكبت تزايد حركة المركبات.

وخلال العقود التالية، تحوّل الطريق تدريجيًا إلى شارع مزدوج بمسارين في كل اتجاه، وأُنشئت عليه الدوارات لتنظيم حركة الدخول والخروج من القرى.

ومع التوسع السكاني والعمراني، تغيرت وظيفة الشارع من طريق يخدم تجمعات قروية متجاورة إلى محور مروري وتجاري رئيس يخدم معظم شمال البحرين.

وشهدت هذه المرحلة إنشاء عدد من الدوارات لتنظيم حركة الدخول والخروج من القرى وتوزيع المركبات على الطرق الفرعية، فتحولت دوارات سار وجنوسان والشاخورة وأبوصيبع والدراز إلى علامات معروفة على امتداد الشارع.

وهنا تغيرت وظيفة شارع البديع من طريق يصل القرى ببعضها إلى محور رئيس يجمع الحركة السكنية والتجارية في شمال البحرين.

مطلع الألفية

دخل الشارع مرحلة جديدة بين مطلع الألفية والعقد التالي، مع تطوير منافذه وربطه بصورة أكبر بشبكة الطرق الرئيسة في المملكة. 

وكان أبرز هذه التحولات تطوير تقاطعه مع شارع الشيخ خليفة بن سلمان، بما أتاح انتقال الحركة بصورة أكثر انسيابية باتجاه المنامة والرفاع ومناطق أخرى.

كما جرى تطوير تقاطع شارع البديع مع شارع الجنبية وتحويل الدوار إلى تقاطع مدار بإشارات ضوئية، بالتوازي مع تطوير عدد من الطرق المتصلة به، مثل شارعي سار والنخيل.

وأسهمت هذه المشروعات في توزيع جانب من الحركة، لكنها لم تحل مشكلة الاختناق على امتداد شارع البديع نفسه.

طال الانتظار

وتعود التحركات الحديثة لتطوير شارع البديع إلى العام 2005، عندما بدأت مناقشة الحاجة إلى توسعته وإعادة تنظيم تقاطعاته، في ظل تزايد الأنشطة العمرانية وارتفاع عدد المركبات المستخدمة له.

وفي العام 2008، ظهر تصور لتطوير نحو 6.3 كيلومتر من الشارع، يتضمن توسعته إلى ثلاثة مسارات في كل اتجاه، وإنشاء طرق للخدمة، واستبدال عدد من الدوارات بإشارات ضوئية، وفتح مداخل جديدة للقرى، وقدرت كلفة المشروع حينها بنحو 6 ملايين دينار.

لكن المشروع لم ينتقل إلى التنفيذ الشامل، إذ تعثر بسبب عدم توافر الموازنة، وتشابك خطوط الكهرباء والمياه والاتصالات مع مساره، إلى جانب الحاجة إلى معالجة أوضاع بعض الأراضي والعقارات الواقعة ضمن نطاق التوسعة. 

وفي يوليو 2009، عُلّق المشروع إلى حين معالجة هذه المعوقات.

وعلى رغم تعليق مشروع التطوير الشامل، إلا أن العمل على الشارع ظل خاضعا لأعمال صيانة دورية وإعادة رصف وتحسينات جزئية، استهدفت المحافظة على سلامة الطريق ومعالجة المواقع المتضررة ورفع كفاءة بعض التقاطعات والمداخل.

ومن أبرز تلك الأعمال مشروع إعادة رصف الجزء الممتد من مدخل قرية باربار إلى دوار البديع، الذي شمل استبدال طبقة الأسفلت، وإنشاء قنوات أرضية للخدمات، وتطوير عدد من التقاطعات، ووضع حواجز للسلامة في مواقع متفرقة، بكلفة بلغت نحو 670 ألف دينار.

كما شهد جزء من الشارع بين باربار ومدخل بني جمرة إزالة طبقات الأسفلت القديمة ووضع طبقة إضافية من الخلطة الأسفلتية، إلى جانب تدخلات متفرقة شملت الأرصفة والحواجز والإشارات والإنارة ومداخل القرى.

وكانت هذه الأعمال تحافظ على كفاءة الطريق مؤقتًا، من دون أن تعالج محدودية طاقته الاستيعابية أو تعارض حركة العبور مع حركة القرى والمحال.

إعادة البناء

وفي العام 2013، عاد مشروع التطوير ضمن خطة مقسمة إلى ثلاث مراحل، بعدما ارتفعت الحركة المرورية على الشارع إلى نحو 68 ألف مركبة يوميًا، مقارنة بنحو 58 ألف مركبة في العام 2008.

وتضمنت الخطة تطوير التقاطعات أولًا، ثم توسعة الجزء الواقع بين الجنبية وسار، واستكمال التوسعة لاحقًا باتجاه دوار القدم، مع إنشاء طرق خدمة للعقارات والمحال التي لا تمتلك منافذ بديلة.

وفي 2016، انتقل المشروع إلى مرحلة أكثر تقدمًا مع طرح الخدمات الاستشارية لإعداد التصاميم التفصيلية لتوسعة شارعي البديع والجنبية، ضمن الحزمة الثالثة من مشروع تحسين الطرق المؤدية إلى المدينة الشمالية، التي أصبحت لاحقًا مدينة سلمان.

وبحلول 2017، كانت الخرائط والتصاميم قد وصلت إلى مرحلة الجهوزية، وتشمل توسعة الشارع إلى ثلاثة مسارات في كل اتجاه واستبدال الدوارات بإشارات ضوئية.

إلا أن المشروع احتاج إلى سنوات أخرى لاستكمال الإجراءات الفنية والتمويلية والتعاقدية ومعالجة تعارضات الخدمات.

وفي أكتوبر 2023، طُرحت مناقصة التنفيذ رسميًا تحت مسمى “مشروع تحسين طرق مداخل المدينة الشمالية – توسعة طريق البديع – الحزمة الثالثة”، وفتحت العطاءات الفنية في فبراير 2024، ثم العطاءات المالية في يونيو من العام نفسه، قبل ترسية العقد خلال 2025 بقيمة تقارب 29.19 مليون دينار.

وفي 10 يناير 2026، وقّعت وزارة الأشغال اتفاقية تنفيذ المشروع، بتمويل من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، لتبدأ بعدها أعمال إزاحة التعارضات ونقل الخدمات والنخيل وإزالة الإشغالات وتهيئة حرم الطريق.

وفي أغسطس 2026، دخل المشروع مرحلة التنفيذ الميداني، مع انتشار الحواجز وتسوير مواقع العمل وتحرك المعدات وتهيئة أجزاء من الشارع لأعمال التوسعة، إذ تبلغ مدة العقد نحو عامين.  

جانب من أعمال رصف “بابكو” لشارع البديع في العام 1969

الجزء الغربي

تمثل الأعمال الحالية أضخم تحول هندسي يشهده شارع البديع منذ تحويله إلى طريق مزدوج.

ولا يشمل المشروع الحالي شارع البديع كاملًا، بل يغطي جزأه الغربي بطول  6.7 كيلومتر، في المساحة الواقعة بين تقاطعه مع شارع الشيخ خليفة بن سلمان شرقًا (دوار القدم) وتقاطعه مع شارع الجنبية غربًا (مدخل مدينة سلمان)، أي ما يعادل نحو نصف طول الشارع البالغ 13 كيلومترًا.

ويرجح أن يكون هذا المشروع جزءًا مرحليًا من عملية التطوير الشاملة للشارع، خصوصًا أن التصورات السابقة تناولت تطوير أجزاء أخرى من الشارع وصولًا إلى تقاطعه مع شارع الشيخ حمد شرقًا.

ويمثل النطاق الحالي الجزء الأكثر اتصالًا بقرى المحافظة الشمالية وبالمداخل المؤدية إلى مدينة سلمان، كما يضم عددًا من الدوارات والتقاطعات ومداخل القرى التي تشهد تداخلًا كثيفًا بين حركة العبور والحركة المحلية.

6 مسارات 

ويتضمن المشروع توسعة الشارع من مسارين إلى ثلاثة مسارات في كل اتجاه، ليصبح بستة مسارات إجمالًا. 

كما يشمل إزالة أربعة دوارات واستبدالها بتقاطعات مدارة بإشارات ضوئية، وتعديل الإشارة القائمة عند تقاطع شارع الجنبية.

ويهدف هذا التغيير إلى رفع كفاءة التقاطعات وتقليل فترات الانتظار، خصوصًا خلال ساعات الذروة، وتنظيم الحركة المتداخلة بين المركبات العابرة وتلك المتجهة إلى القرى والمناطق التجارية الواقعة على جانبي الشارع.

وتشمل الأعمال إنشاء طرق للخدمة ومواقف للمركبات، وتوفير أرصفة ومسارات آمنة للمشاة، وإنشاء شبكة متكاملة لتصريف مياه الأمطار تتضمن محطة للضخ، ونقل وحماية خطوط الكهرباء والمياه والاتصالات والخدمات الأرضية الأخرى المتعارضة مع أعمال التوسعة.

ويتضمن المشروع كذلك تحديث إنارة الشارع، وتركيب العلامات والحواجز وعناصر السلامة المرورية، وتنفيذ أعمال التشجير والتجميل، بما يعيد تنظيم الطريق ومحيطه بدلًا من الاكتفاء بإضافة مسار جديد.

جسور المشاة 

وحظيت سلامة المشاة بحضور مبكر في خطط تطوير شارع البديع، بسبب الكثافة السكانية وتوزع القرى والمرافق على جانبيه. 

وتضمنت التصورات السابقة تحديد مواقع مقترحة لجسور المشاة في القطاعات الواقعة بين أبوصيبع وكرانة، وبين الحجر والمقشع، وفي الجزء الغربي الذي يخدم منطقتي الدراز والبديع.

أما النسخة المحدثة من المشروع فتؤكد إنشاء جسور للمشاة ضمن نطاق الأعمال، من دون إعلان مواقعها النهائية بالتفصيل. 

ويرتبط تحديد تلك المواقع بالتصميم التنفيذي ومسارات الخدمات الأرضية وتوزيع التقاطعات والمداخل بعد التوسعة.

وتزداد أهمية هذه الجسور مع تحول الطريق إلى 6 مسارات، إذ يصبح العبور المباشر بين جانبيه أكثر صعوبة وخطورة، خصوصًا في المناطق التي تتقابل فيها التجمعات السكنية والمرافق التجارية والخدمية.

صورة أرشيفية لشارع البديع بالعام 1963

طاقة أكبر 

تقدر الطاقة الاستيعابية لشارع البديع حاليًا بنحو 80 ألف مركبة يوميًا في الاتجاهين، مقارنة بنحو 58 ألفًا في 2008 و68 ألفًا في 2013. 

ويكشف هذا التصاعد عن حجم الضغط الذي تراكم على الشارع مع نمو القرى والتوسع العمراني وافتتاح مدينة سلمان وزيادة الأنشطة الواقعة على امتداده.

ومن المنتظر أن يرفع المشروع الطاقة الاستيعابية إلى نحو 140 ألف مركبة يوميًا، بزيادة تقارب 75 % على القدرة الحالية.

ولا تعتمد هذه الزيادة على إضافة المسار الثالث وحده، بل على إعادة تنظيم التقاطعات، وفصل جانب من الحركة المحلية في طرق الخدمة، وتوفير مواقف منظمة، وتقليل التعارض بين حركة العبور والدخول إلى القرى.

وبذلك لا يمثل المشروع مجرد توسعة لطريق قديم، بل إعادة بناء لوظيفة شارع بدأ مسارًا لحافلات عمال النفط، ثم أصبح طريقًا يجمع قرى الشمال، قبل أن يتحول اليوم إلى شريان مروري يُنتظر أن يخدم 140 ألف مركبة كل يوم.

20 قرية

ويمتد شارع البديع كاملًا نحو 13 كيلومترًا، من تقاطعه مع شارع الشيخ حمد عند إشارات النعيم شرقًا إلى ساحل قرية البديع غربًا. 

ويخدم مباشرة أكثر من 20 قرية ومنطقة، بينها البديع والدراز وبني جمرة والمرخ وسار وباربار ومقابة وجنوسان والشاخورة وأبوصيبع وكرانة والحجر والقدم والمقشع وجدالحاج وجدحفص والديه والسنابس والبرهامة وجبلة حبشي وعين الدار.

كما يمثل طريقًا رئيسًا لمناطق أخرى لا تقع عليه مباشرة، من بينها أبوقوة والسهلة الشمالية والقرية والجنبية ومدينة سلمان، ما جعله نقطة التقاء بين حركة العبور الطويلة وحركة الدخول إلى القرى والمناطق السكنية والمرافق التجارية والخدمية.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى