غير مصنف

جريدة البلاد | د.ضياء توفيقي بـ “المهندسين”: لا للاعتماد على رسائل “واتساب”  في القضايا التعاقدية


أكد الرئيس التنفيذي لمكتب ضياء توفيقي للاستشارات الهندسية الرئيس السابق لجمعية المهندسين البحرينية د. ضياء توفيقي أن التطور الكبير في وسائل الاتصال الرقمي أحدث تحولا جذريا في أساليب إدارة المشروعات، ونقل بيئات العمل من عصر المراسلات الورقية إلى الاتصال اللحظي، وصولا إلى مرحلة التواصل الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إلا أن سهولة الاتصال لا تعني بالضرورة جودة التواصل أو سلامة القرارات الناتجة عنه.

وشدد على أن تطبيق “واتساب”، على رغم ما يوفره من سرعة ومرونة في التنسيق اليومي بين فرق المشروعات، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل من القنوات والأنظمة الرسمية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقرارات التي تمس الوقت أو التكلفة أو نطاق العمل أو الالتزامات التعاقدية، مؤكدا ضرورة توثيق مثل هذه القرارات رسميا تجنبا للنزاعات والمطالبات مستقبلا.

جاء ذلك خلال ندوة قدمها توفيقي مساء يوم أمس الثلاثاء بعنوان “التواصل الرقمي في إدارة المشروعات.. الاستخدام المهني للواتساب ووسائل التواصل الحديثة”، في مقر جمعية المهندسين البحرينية بالجفير، بحضور واسع من المهندسين والشخصيات المجتمعية، تناول خلالها تطور وسائل التواصل في إدارة المشروعات، وأبرز الأخطاء المتكررة في استخدامها، وضوابط التعامل المهني مع “واتساب”، إلى جانب طرح نموذج لبروتوكول مؤسسي للتواصل الرقمي واستشراف مستقبل الاتصال في المشروعات في ظل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.

واستعرض توفيقي مراحل تطور وسائل التواصل في إدارة المشروعات، موضحا أنها بدأت بالاتصال الورقي من خلال الخطابات والمذكرات ومحاضر الاجتماعات والفاكس، قبل الانتقال إلى الحاسب والبريد الإلكتروني وبرامج مثل Word وExcel وMS Project، ثم مرحلة الإنترنت ومشاركة الملفات والمؤتمرات المرئية والمواقع الإلكترونية.

وقال إن نقطة التحول المهمة جاءت مع انتشار الهواتف الذكية و “واتساب”، إذ أصبحت الرسائل والصور ومقاطع الفيديو والوثائق والمجموعات جزءا من التواصل اليومي، وأصبح الاتصال داخل المشروع فوريا وجماعيا ومتاحا على مدار الساعة، قبل الانتقال لاحقا إلى منصات التعاون وإدارة المشروعات والبيانات اللحظية، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي الذي بات يستخدم في تحليل التقارير وتلخيص الاجتماعات والتنبؤ بالمخاطر ودعم اتخاذ القرار.

وأضاف أن رحلة الاتصال يمكن اختصارها بالانتقال “من الورقة إلى الحاسوب إلى الإنترنت، ثم إلى السحابة والاتصال اللحظي، وصولا إلى الاتصال الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي”، لافتا إلى مفارقة مهمة تتمثل في أنه على الرغم من أن التواصل أصبح أسهل من أي وقت مضى، فإن سوء الفهم والخلافات وسوء استخدام وسائل التواصل أصبحت أكثر انتشارا، إذ إن الكثيرين يتعلمون كيفية استخدام التطبيقات، لكنهم لا يتعلمون ثقافة استخدامها.

وأوضح توفيقي أن “واتساب” بات يستخدم في عديدا من المشروعات لتداول التعليمات والملاحظات الفنية والقرارات والصور والتقارير الميدانية وطلبات التغيير وجداول أعمال الاجتماعات ومحاضرها؛ الأمر الذي يستوجب تحديد الحدود الفاصلة بين ما يمكن تداوله عبر التطبيق وما يتعين تمريره من خلال القنوات الرسمية.

وأشار إلى أن من أبرز الأخطاء المتكررة إرسال الرسائل خارج أوقات العمل دون ضرورة، والإكثار من الرسائل المتتابعة عوضا عن إرسال رسالة واحدة منظمة، وعدم وضوح المطلوب، واستخدام المجموعات في موضوعات لا تخص جميع أعضائها، فضلا عن إرسال رسائل صوتية طويلة تستهلك وقت الآخرين، وسوء الفهم الناتج عن الاختصار أو غياب نبرة الحديث، وتجاهل الردود أو التأخر في المتابعة، والخلط بين التواصل الشخصي والمهني.  

وبيّن أن الاستخدام المناسب لـ “واتساب” يشمل التنسيق السريع، والمواعيد والاجتماعات، والمتابعة اليومية، وتبادل الصور الميدانية والتنبيهات العاجلة، في حين لا ينبغي الاعتماد عليه في الموافقات التعاقدية والأوامر التغييرية والمطالبات المالية والقرارات الرسمية المؤثرة في نطاق العمل أو البرنامج الزمني، أو أي موضوع يمكن أن يتحول لاحقا إلى نزاع أو مطالبة.

وأكد أن من المخاطر المهنية الاعتماد على رسائل “واتساب” وحدها في القضايا التعاقدية، مشددا على أهمية تحويل القرارات المهمة إلى مراسلات رسمية، ولافتا إلى أن نسبة كبيرة من مشكلات المشروعات لا تعود إلى الجوانب الفنية بقدر ما ترتبط بضعف التواصل بين الأطراف. واستعرض توفيقي نموذجا مقترحا لبروتوكول مؤسسي ينظم استخدام وسائل التواصل الرقمي، ولا سيما تطبيقات المراسلة الفورية، بما يضمن سرعة وفاعلية التواصل مع المحافظة على المهنية والخصوصية وسلامة المعلومات والتوثيق المناسب للقرارات.

وأوضح أن البروتوكول يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها وضوح الرسالة وتحديدها، والاختصار وتجنب الرسائل الطويلة والمتكررة من دون حاجة، والمحافظة على الاحترام واللباقة، وعدم إرسال الرسائل إلا لغرض واضح، واحترام أوقات العمل والراحة، والمحافظة على السرية، وتوثيق القرارات والتعليمات المهمة عبر القنوات الرسمية، إلى جانب تحمل المرسل مسؤولية محتوى رسالته ودقتها.

وقال إن مجموعات المشروعات تحتاج هي الأخرى إلى قواعد واضحة، من بينها تخصيص كل موضوع لمسار واضح، وبدء الرسالة بتحديد المطلوب والموعد النهائي، واحترام ساعات العمل، وإعادة توثيق أي قرار يتم اتخاذه عبر المحادثة في أداة المشروع الرسمية، فضلا عن جعل الرسائل الصوتية قصيرة وإرفاقها بملخص مكتوب، وكتابة الرسائل بمهنية مع افتراض إمكان اطلاع العميل عليها.

وأضاف أن إنشاء مجموعات التواصل يجب ألا يتم بصورة عشوائية، بل ينبغي تحديد اسم المجموعة والغرض منها، وإضافة المعنيين فقط، وتعيين مسؤول أو مشرف عليها، والمحافظة على الموضوعية والتركيز، وتعديل العضوية عند تغير مسؤوليات الأفراد. كما ينبغي تجنب النقاشات الشخصية والرسائل الخارجة عن موضوع المجموعة والأخبار أو المواد غير الموثوقة واتخاذ القرارات الحساسة من دون توثيق رسمي.

وشدد توفيقي على أهمية حماية سرية المعلومات، محذرا من مشاركة المعلومات السرية مع غير المخولين وإرسال وثائق شخصية أو تجارية حساسة إلى مجموعات غير مناسبة، وإعادة توجيه المحادثات الخاصة دون إذن، مؤكدا ضرورة التأكد من هوية المستلم قبل إرسال أي معلومات حساسة.

وفي ما يتعلق بالرسائل الصوتية، أوضح أنها تستخدم عندما تكون هناك حاجة عملية إليها، وليس باعتبارها بديلا دائما عن الرسائل المكتوبة، داعيا إلى أن تكون قصيرة ومباشرة، مع توضيح موضوعها منذ البداية وتجنب إرسال تسجيلات متتالية عدة، وعدم استخدامها للقرارات التي تتطلب توثيقا دقيقا.

ولفت إلى ضرورة احترام أوقات التواصل، بحيث ترسل الرسائل في الأصل خلال ساعات العمل الرسمية، فيما يقتصر التواصل خارجها على الحالات العاجلة أو وجود سبب عملي واضح، مع مراعاة ظروف الطرف الآخر، ويمكن في الحالات العاجلة تحديد طبيعة الطلب والوقت المطلوب لإنجازه بصورة واضحة.

وأكد توفيقي أن نشر ثقافة التواصل المهني لا يقع على الموظفين وحدهم، بل يمثل مسؤولية إدارية أيضا، من خلال تدريب الموظفين، وتحديد القنوات الرسمية للتواصل، وتوضيح الصلاحيات والمسؤوليات، ومراجعة بروتوكولات الاتصال دوريا، ومعالجة حالات سوء الاستخدام بطريقة مهنية وعادلة.

وعن مستقبل التواصل في إدارة المشروعات، توقع توفيقي أن يتحول “واتساب” من مجرد أداة للمحادثة إلى قناة مؤسسية أكثر ذكاء، بحيث يمكن تحويل الرسائل الصوتية تلقائيا إلى محاضر وقرارات، وتحليل الصور المرسلة من مواقع العمل باستخدام الذكاء الاصطناعي، وربط المحادثات مباشرة بالمهام في أنظمة إدارة المشروعات، إلى جانب توفير الترجمة الفورية بين أعضاء الفرق متعددة اللغات.

وأضاف أن “الاتصالات التنبئية” تمثل أحد ملامح المرحلة المقبلة، إذ لن تنتظر الأنظمة حدوث المشكلة، وإنما ستتمكن من اكتشاف المؤشرات المبكرة لها، وضرب مثالا بتأخر اعتماد الخرائط وتأثيره اللاحق في طلب مواد البناء والتنفيذ، إذ يمكن للنظام تنبيه فريق المشروع قبل وقوع التأخير فعليا.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي سيسهم كذلك في تلخيص الاجتماعات والمراسلات تلقائيا، واستخراج القرارات والمهام والمسؤوليات، وإطلاق التنبيهات المبكرة واقتراح الردود والإجراءات المناسبة، وصولا إلى “المساعد الافتراضي للمشروع” الذي يستطيع مدير المشروع سؤاله عن وضع المشروع وأبرز مشكلاته والأشخاص المتأخرين في تنفيذ مهامهم، ليقدم الإجابة اعتمادا على بيانات المشروع ومراسلاته واجتماعاته.

وتطرق توفيقي إلى الانتقال من التقارير الأسبوعية التقليدية إلى لوحات معلومات حية تحدث بيانات البرنامج والتكلفة والمخاطر ونسب الإنجاز باستمرار، فضلا عن تطور التواصل عبر تقنيات نمذجة معلومات البناء (BIM) والتوأم الرقمي، بحيث يستطيع فريق المشروع الإشارة مباشرة إلى العنصر أو الموقع محل المشكلة داخل النموذج الرقمي بدلا من الاكتفاء بوصفها بالكلمات.

وأشار كذلك إلى الدور المتوقع للواقع المعزز والافتراضي، بما يسمح للمهندس في الموقع برؤية التصميم والمعلومات الفنية في الواقع، وعقد اجتماعات افتراضية داخل النموذج أو الموقع دون الحاجة إلى الوجود الفعلي لجميع الأطراف.

وخلص توفيقي إلى أربع قواعد أساسية في التواصل بإدارة المشروعات، أولها أن “واتساب” وسيلة للتواصل السريع وليس بديلا من النظام الرسمي للمشروع، وثانيها أن أي قرار يؤثر في الوقت أو التكلفة أو الجودة يجب توثيقه رسميا، وثالثها أن تتضمن كل رسالة النقاط الأساسية وفي مقدمتها الموضوع والمطلوب، ورابعها أن تنشأ مجموعات التواصل لغرض ومدة محددين.

وأكد في ختام الندوة أن فعالية التواصل في بيئة العمل المزدحمة لا تقاس بكثرة الرسائل، وإنما بوضوحها وتوقيتها واحترام وقت الآخرين، مشيرا إلى أنه عندما يلتزم الجميع بقواعد بسيطة ومتفق عليها يصبح “واتساب” أداة للإنتاجية بدلا من أن يكون مصدرا للتشتيت.

ودعا إلى نشر ثقافة الاتصال في المؤسسات، ووضع بروتوكول لدى كل مؤسسة لتنظيم استخدام “واتساب”، والاستعداد للتأقلم مع ثقافة التواصل المستقبلية في إدارة المشروعات، مؤكدا أن “نجاح المشروعات لا يعتمد فقط على التخطيط والتنفيذ، بل يعتمد أيضا على جودة التواصل بين الأطراف”.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى