جريدة البلاد | الصناعات التحويلية في البحرين.. نمو أكبر بعمالة أقل

-
140 % نمو القيمة المضافة للصناعات التحويلية
-
نحو 20 % حصة الصناعات التحويلية من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية
-
4.5 ضعف نمو رصيد الاستثمار الأجنبي الصناعي
-
26.2 % حصة البحرينيين من العمالة الصناعية في 2023
-
86 % نمو تعويضات العاملين في القطاع
هناك قصة مختلفة تتشكل داخل المصانع البحرينية فخلال نحو 15 عاما ارتفعت القيمة الاقتصادية التي تنتجها الصناعات التحويلية أكثر من الضعف، وتزايدت الاستثمارات الأجنبية المتراكمة فيها أكثر من أربعة أضعاف، وأصبحت الصناعة تشكل قرابة خُمس الاقتصاد بالأسعار الجارية، لكن المفاجأة أن هذا التوسع لم يحتج إلى زيادة مماثلة في أعداد العاملين بل إن أعدادهم انخفضت خلال السنوات التي تتوافر عنها البيانات.
هذه المفارقة تختصر تحولا مهما يجري داخل أحد أكبر القطاعات غير النفطية في البحرين: الصناعة أصبحت تنتج قيمة أكبر، باستثمارات أكبر، ولكن بعدد أقل من العمال.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بما إذا كانت المصانع تنتج أكثر وإنما بكيفية حدوث ذلك، وما إذا كانت البحرين تنتقل تدريجيا من نموذج صناعي يعتمد بدرجة أكبر على أعداد العمال إلى نموذج تلعب فيه التكنولوجيا ورأس المال والمهارات والإنتاجية دورا أكبر.
من 1.47 مليار إلى أكثر من 3.5 مليار دينار
الأرقام تظهر أولا حجم التحول، فقد ارتفعت القيمة المضافة للصناعات التحويلية، أي القيمة الاقتصادية التي يضيفها القطاع إلى الاقتصاد، من نحو 1.47 مليار دينار في 2010 إلى 3.53 مليار دينار في 2024، بزيادة تقارب 140 %، ولم يرتفع حجم الصناعة فقط لأن الاقتصاد البحريني نفسه أصبح أكبر بل توسع وزنها داخله أيضا.
ففي 2011 كانت الصناعات التحويلية تمثل نحو 15 % من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، بينما أصبحت حصتها تدور حول 20 % في السنوات الأخيرة، وفي 2025 تحديدا تراوحت مساهمتها الفصلية بين 19.2 % و20.2 %، أي أنه يمكن تيسير الصورة بالقول إن نحو دينار واحد من كل خمسة دنانير ينتجها الاقتصاد البحريني بالأسعار الجارية بات مرتبطا بالصناعات التحويلية.
حتى عند استبعاد أثر تغير الأسعار تظل الصناعة صاحبة وزن كبير إذ شكلت 15.1 % من الناتج الحقيقي في 2025 لتكون ثاني أكبر نشاط غير نفطي في الاقتصاد البحريني.
واللافت أيضا ما حدث خلال 2025، فقد بدأ القطاع العام بانكماش اسمي بنحو 1.9 % في الربع الأول ثم تحسن تدريجيا حتى سجل نموا 8.6 % في الربع الرابع على أساس سنوي، وهذا يعني أن الزخم الصناعي لم يكن ثابتا خلال العام وإنما أصبح أقوى مع نهايته، لكن إذا كانت الصناعة أصبحت أكبر فمن الطبيعي توقع أن يعمل فيها عدد أكبر من الأشخاص وهنا تحديدا تأتي المفاجأة.
54 % نموا في القيمة.. مقابل 30 % انخفاضا في العمالة
وبين العامين 2016 و2023 ارتفعت القيمة المضافة للصناعات التحويلية من نحو 2.27 مليار إلى 3.50 مليار دينار، أي نحو 54 % خلال الفترة نفسها، انخفض عدد العاملين المشمولين بالتأمينات الاجتماعية في الصناعات التحويلية بالقطاع الخاص من نحو 72.5 ألف عامل إلى 50.7 ألفا بتراجع يقارب 30 %.
وهذه واحدة من أهم النتائج التي تكشف عنها البيانات، فالنمو الصناعي خلال هذه الفترة لم يعتمد على إضافة مزيد من العمال بالوتيرة التقليدية بل حدث العكس: قيمة اقتصادية أكبر خرجت من قطاع يعمل فيه عدد أقل من الأشخاص. لكن تفكيك أرقام العمالة يكشف عن جانب آخر فالانخفاض تركز بدرجة كبيرة بين العمال غير البحرينيين الذين تراجع عددهم من نحو 58.7 ألف إلى 37.4 ألف عامل، أي نحو 36 %. أما البحرينيون فانخفض عددهم بصورة محدودة من نحو 13.8 ألف إلى 13.3 ألف عامل، ونتيجة لذلك ارتفعت حصة البحرينيين من إجمالي العاملين في الصناعات التحويلية الخاصة من 19.1 % في 2016 إلى 26.2 % في 2023. أي أن نحو عامل من كل أربعة عاملين في القطاع أصبح بحرينيا مقارنة بأقل من عامل من كل خمسة في بداية الفترة.
القيمة المنتجة تنمو أسرع من تكلفة العمل
تعويضات العاملين تقدم دليلا إضافيا على تغير طريقة نمو القطاع، فإجمالي ما دفعه نشاط الصناعات التحويلية من أجور ومزايا وتعويضات للعاملين ارتفع من نحو 409 ملايين دينار في 2010 إلى نحو 760 مليون دينار في 2024، أي نحو 86 %. هذه زيادة كبيرة لكنها تصبح أكثر دلالة عند مقارنتها بارتفاع القيمة المضافة الصناعية نحو 140 % خلال الفترة نفسها.
ونتيجة لذلك انخفضت تعويضات العاملين كنسبة من القيمة التي ينتجها القطاع من 27.8 % إلى 21.5 %.
وهذا لا يعني أن رواتب العاملين انخفضت، فهذه البيانات لا تسمح بهذا الاستنتاج، لكن ما تعنيه ببساطة هو أن القيمة الاقتصادية التي تنتجها الصناعة أصبحت تنمو بسرعة أكبر من إجمالي ما ينفقه القطاع على عنصر العمل.
وتظهر الفجوة بصورة أوضح منذ 2020، ففي أربع سنوات فقط ارتفعت القيمة المضافة الصناعية نحو 45 % بينما زادت تعويضات العاملين نحو 20 %، فما الذي يملأ هذه الفجوة؟
أكثر من أربعة أضعاف في الاستثمار الأجنبي
جزء مهم من الإجابة يظهر عند النظر إلى رأس المال المستثمر في القطاع، فقد ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعات التحويلية، أي إجمالي الاستثمارات الأجنبية المتراكمة داخل القطاع، من نحو 512 مليون دينار في 2010 إلى 2.28 مليار دينار بنهاية 2025، بمعنى أن قاعدة الاستثمار الأجنبي في الصناعة أصبحت خلال 15 عاما نحو 4.5 ضعف مستواها السابق.
والأهم أن هذا التوسع حدث على مراحل فقد تجاوز الرصيد مليار دينار في 2015 ثم 1.5 مليار في 2018، قبل أن يتجاوز ملياري دينار في 2022 ويحافظ على هذا المستوى حتى بلغ نحو 2.29 مليار دينار في الربع الأول من 2026.
وعند وضع الأرقام بجانب بعضها تصبح الصورة أكثر وضوحا: الإنتاج يرتفع، والاستثمار يتراكم، بينما ينخفض عدد العمال وتنمو تكلفة العمل بوتيرة أبطأ من القيمة المنتجة.
ولا تكفي هذه البيانات وحدها للقول إن التكنولوجيا والأتمتة هما السبب المباشر وراء انخفاض العمالة، فهناك عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في أعداد العاملين لكنها تقدم مؤشرا قويا على أن الصناعة البحرينية أصبحت تعتمد بصورة أكبر على رأس المال والتكنولوجيا والكفاءة، بدل أن يأتي نموها فقط من زيادة أعداد العمال.
المصانع نفسها تتغير
هذا التفسير يتفق أيضا مع الاتجاه الذي تسلكه السياسة الصناعية في المملكة، فاستراتيجية قطاع الصناعة 2022 – 2026 وضعت التحول نحو الثورة الصناعية الرابعة ورقمنة التصنيع وتطوير البنية التكنولوجية ورفع كفاءة سلاسل الإمداد ضمن مرتكزات تطوير القطاع.
ويظهر ذلك بصورة عملية في مبادرة المصانع الذكية “iFactories” التي تستهدف تحويل 300 مصنع إلى مصانع ذكية بحلول 2026 عبر زيادة استخدام التكنولوجيا والأتمتة ورفع كفاءة الإنتاج وتقليل الاعتماد على العمالة غير الماهرة.
وهذا مهم لفهم ما يحدث، لأن المصنع الذي يستثمر في خطوط إنتاج آلية وأنظمة رقمية وتقنيات حديثة يستطيع زيادة إنتاجه دون الحاجة بالضرورة إلى زيادة عدد العاملين بالنسبة نفسها.
كما أن برنامج تكامل للقيمة المحلية يحاول نقل التحول إلى مرحلة أخرى: ألا تقتصر مكاسب الصناعة على المصنع نفسه وإنما تمتد إلى الاقتصاد المحلي عبر توطين سلاسل التوريد وزيادة مشتريات المصانع من الشركات المحلية وربط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالمشروعات الصناعية الكبرى.
وبذلك يتغير السؤال من: كم عدد المصانع والعمال؟ إلى: كم قيمة اقتصادية يستطيع كل مصنع وكل عامل وكل دينار مستثمر أن ينتج؟
ماذا يعني ذلك للبحريني؟
هنا يظهر التحدي الأهم في المرحلة المقبلة، فالتحول نحو صناعة تعتمد أكثر على التكنولوجيا ورأس المال يمكن أن يرفع الإنتاجية والصادرات وقدرة البحرين على المنافسة، لكنه يعني في الوقت نفسه أن نمو القطاع لن يؤدي تلقائيا إلى زيادة كبيرة في أعداد الوظائف التقليدية.
ومن هنا تصبح زيادة نسبة البحرينيين من 19.1 % إلى 26.2 % مؤشرا مهما لكنها ليست نهاية القصة.
الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الاقتصاد على نقل مزيد من البحرينيين إلى الوظائف الصناعية الأعلى مهارة وقيمة من الهندسة والتحكم والأتمتة إلى تحليل البيانات والصيانة المتقدمة وإدارة العمليات والتقنيات الصناعية، فالمصنع الذكي يحتاج إلى عمال أقل في بعض المراحل لكنه يحتاج في المقابل إلى مهارات أعلى.
وهنا تتحدد المرحلة التالية من قصة الصناعة البحرينية، فبعد أن نجحت المملكة في بناء قطاع أصبحت قيمته تتجاوز 3.5 مليار دينار ويشكل قرابة خُمس الاقتصاد بالأسعار الجارية ويستقطب أكثر من ملياري دينار من رصيد الاستثمار الأجنبي، ينتقل التحدي من توسيع حجم الصناعة إلى تعظيم القيمة التي تخلقها الصناعة داخل الاقتصاد.
وبذلك فإن السؤال لم يعد عما إذا كانت الصناعات التحويلية أصبحت ركيزة رئيسة للاقتصاد البحريني فالأرقام تقدم إجابة واضحة على ذلك. السؤال الأهم هو عما إذا كان بالإمكان تحويل هذا الثقل الصناعي والاستثماري المتزايد إلى إنتاجية أعلى وصادرات أكثر تنوعا وسلاسل توريد محلية أعمق ووظائف نوعية أفضل للبحرينيين.
إذا نجحت هذه المعادلة فلن تكون الصناعة مجرد قطاع ينمو بل أحد المحركات التي تعيد تشكيل نموذج النمو الاقتصادي في البحرين.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.