جريدة البلاد | أبعاد | اقتصاد المياه في دول مجلس التعاون: كم يكلفنا المتر المكعب الذي يصل إلى الصنبور؟

-
المياه الخليجية.. ثروة استراتيجية بكلفة اقتصادية تتجاوز حدود التحلية
-
الخليج يحوّل ندرة المياه إلى صناعة ضخمة تعتمد على التحلية والطاقة
-
البحرين تستهلك نحو 749 ألف متر مكعب من المياه يوميا وسط توسع التحلية
-
كم يكلف المتر المكعب؟.. رحلة المياه الخليجية من البحر إلى الصنبور
-
الطاقة ترفع كلفة المياه.. والتحلية تفرض معادلة اقتصادية جديدة على الخليج
-
التناضح العكسي يقود سباق الخليج لخفض كلفة إنتاج المياه المحلاة
-
فاقد شبكات المياه.. كلفة اقتصادية لمتر مكعب جرى إنتاجه ولم يصل للمستهلك
-
المياه المعالجة تفتح بابا لخفض استهلاك المياه المحلاة في الخليج
-
الأمن المائي الخليجي يتطلب قدرات احتياطية وتخزينا يتجاوز احتياجات الاستهلاك اليومي
-
البحرين تتجه لمحطات تحلية أكثر كفاءة لخفض استهلاك الطاقة وكلفة المياه
لم تعد قضية المياه في دول مجلس التعاون مسألة بيئية مرتبطة بندرة الأمطار فحسب، بل أصبحت قضية اقتصادية ومالية وأمنية من الدرجة الأولى. فالخليج استطاع، بفضل الاستثمار الضخم في التحلية، أن يحول واحدة من أكثر مناطق العالم ندرة في المياه الطبيعية إلى منطقة تتوافر فيها مياه الشرب بصورة منتظمة، لكنه فعل ذلك من خلال منظومة مكلفة تبدأ من البحر ولا تنتهي عند محطة التحلية، وإنما تشمل الطاقة والنقل والتخزين والشبكات والصيانة والدعم الحكومي ومعالجة المياه المستعملة والتخلص من المحلول الملحي المركز.
وتكشف ضخامة هذه المنظومة حقيقة لافتة: دول مجلس التعاون، رغم أنها تمثل أقل من 1% من سكان العالم، تنتج ما يقارب نصف المياه المحلاة عالمياً وفق تقديرات البنك الدولي. وفي البحرين والكويت وقطر والإمارات، توفر التحلية أكثر من نصف المياه المستخدمة، وتقترب في إمدادات مياه الشرب في بعضها من الاعتماد شبه الكامل عليها. وهذا يعني أن سعر الماء في الخليج لا تحدده الطبيعة بقدر ما تحدده التكنولوجيا والطاقة ورأس المال وكفاءة إدارة الشبكة.
البحرين: نحو ثلاثة أرباع مليون متر مكعب يوميا
تعطي البحرين نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. فأحدث البيانات المنشورة في بوابة البيانات المفتوحة تشير إلى أن متوسط استهلاك المياه اليومي بلغ 164.68 مليون جالون إمبراطوري في 2024، أي نحو 749 ألف متر مكعب يومياً أو قرابة 273 مليون متر مكعب سنوياً. وفي المقابل، توضح هيئة الكهرباء والماء أن منظومة الإنتاج تضم ست محطات للتحلية تبلغ طاقتها الإجمالية نحو 213 مليون جالون يومياً، تعادل قرابة 968 ألف متر مكعب يومياً، وتستخدم مزيجاً من التناضح العكسي والتحلية الحرارية. كما تمتد شبكة نقل المياه الرئيسية إلى نحو 622 كيلومتراً وترتبط بـ48 محطة ضخ وتوزيع.
وهنا تظهر أولى المفارقات الاقتصادية. فتعرفة المياه المنزلية المدعومة للمواطن البحريني في حسابه السكني المؤهل تبدأ عند 25 فلساً للمتر المكعب لأول 62 متراً مكعباً شهرياً، ثم 80 فلساً من 63 إلى 102 متر مكعب، قبل أن تقفز إلى 775 فلساً لما يزيد على ذلك. وهذه الأسعار ليست مقياساً لكلفة إنتاج الماء، وإنما جزء من سياسة اجتماعية للدعم.

مؤشرات مختارة لاقتصاد المياه في البحرين
أحدث رقم متاح المؤشر
164.68 مليون جالون إمبراطوري متوسط الاستهلاك اليومي 2024
نحو 749 ألف م³ يومياً ما يعادله بالمتر المكعب
نحو 273 مليون م³ الاستهلاك السنوي المحسوب
213 مليون جالون يومياً القدرة الإجمالية لمحطات التحلية
نحو 968 ألف م³ يومياً القدرة المكافئة
6 محطات عدد محطات التحلية
نحو 622 كم شبكة نقل المياه
48 محطة محطات الضخ والتوزيع
25 فلساً/م³ تعرفة أول 62 م³ للمواطن المستحق للدعم
80 فلساً/م³ 63–102 م³
775 فلساً/م³ أكثر من 102 م³
المصدر: هيئة الكهرباء والماء وبوابة البيانات المفتوحة البحرينية. (ewa.bh)
المتر المكعب ليس مجرد تحلية
الخطأ الشائع عند الحديث عن كلفة المياه هو مساواة كلفة التحلية بكلفة الماء الذي يصل إلى المنزل. اقتصادياً ينبغي التمييز بين كلفة إنتاج الماء عند بوابة المحطة وبين الكلفة الكاملة للمتر المكعب المورّد للمستهلك. فهناك استثمار رأسمالي في محطة التحلية، وطاقة ومواد كيميائية وأغشية وصيانة، ثم محطات ضخ وخطوط نقل وخزانات وشبكات توزيع وعدادات، إضافة إلى تكلفة الفاقد والمياه غير المحصلة.
ويضاف إلى ذلك عنصر غالباً ما لا يظهر في الفاتورة: الكلفة البديلة للطاقة. فإذا استُخدم الغاز الطبيعي المدعوم لإنتاج الكهرباء أو الحرارة اللازمة للتحلية، فإن تقييم كلفة الماء على أساس السعر المحلي للغاز وحده يقلل من تكلفته الاقتصادية الحقيقية؛ لأن هذا الغاز كان يمكن استخدامه في الصناعة أو توليد الكهرباء أو تصديره بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لهذا أصبح التحول التكنولوجي في التحلية تحوّلاً اقتصادياً قبل أن يكون بيئياً. فالتحلية الحرارية التقليدية من نوع MSF تستهلك كميات كبيرة من الطاقة الحرارية إلى جانب الكهرباء، بينما تعتمد محطات التناضح العكسي الحديثة على الكهرباء أساساً وأصبحت أكثر كفاءة بصورة ملحوظة. وتقول هيئة المياه السعودية إن بعض أنظمتها الحديثة وصلت إلى استهلاك يقل عن 2.271 كيلوواط/ساعة لكل متر مكعب، بينما تستهدف مشروعات أخرى أقل من 2.16 كيلوواط/ساعة، وهي مستويات تعكس مقدار التطور الذي حدث في اقتصاد التحلية.
سباق خليجي لخفض فاتورة الماء
تتجه دول الخليج بصورة واضحة من محطات التحلية الحرارية المرتبطة بمحطات الكهرباء إلى محطات مستقلة للتناضح العكسي، وإلى نماذج البناء والتملك والتشغيل والشراكة مع القطاع الخاص. والسبب ليس بيئياً وحده؛ إذ تسمح هذه الصيغة بالمنافسة بين المطورين، وخفض تكلفة رأس المال، وتحسين كفاءة التشغيل، وفصل قرار إنتاج الماء عن قرار إنتاج الكهرباء.
وهذه الأرقام لا يجوز استخدامها باعتبارها مقارنة مباشرة لكلفة المتر المكعب بين الدول، لأن بعضها يمثل قدرة إنتاجية وبعضها إنتاجاً فعلياً وبعضها تعرفة شراء بموجب عقد طويل الأجل. لكنها تكشف اتجاهاً خليجياً واضحاً: المياه تتحول من صناعة كثيفة الطاقة إلى صناعة تبحث عن أقل تكلفة دورة حياة ممكنة للمتر المكعب.
الفاقد: ماء دفعنا ثمنه ثم لم نبعْه
هناك عنصر آخر لا يقل أهمية عن كفاءة محطة التحلية: الفاقد في الشبكات. فإذا أُنتج متر مكعب بتكلفة مرتفعة ثم فُقد بسبب تسرب أو خلل في القياس، فإن الاقتصاد لا يخسر الماء فقط، بل يخسر أيضاً الطاقة والمواد الكيميائية ورأس المال المستخدم في تحليته ونقله.
ومن هنا، فإن خفض الفاقد بنسبة نقطة مئوية واحدة قد يكون في بعض الحالات أرخص من بناء قدرة تحلية جديدة تعوض الكمية المهدرة. وتكتسب العدادات الذكية أهمية اقتصادية في هذا السياق؛ فشبكة البحرين باتت تستخدم عدادات متقدمة تسمح بمتابعة الاستهلاك وتحسين اكتشاف التسرب، وهو ما يعني أن إدارة الطلب والشبكة يمكن أن تصبح مصدراً افتراضياً جديداً للمياه من دون إنشاء محطة تحلية إضافية.
لماذا نروي الحدائق بماء يمكن شربه؟
الجانب الآخر من المعادلة هو إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة. اقتصادياً، ليس من المنطقي استخدام مياه بحر تم تحليتها بدرجات عالية من الجودة في كل الأغراض إذا كانت مياه معالجة ذات مواصفات مناسبة تستطيع القيام بالوظيفة نفسها في الري والتشجير وبعض الاستخدامات الصناعية.
ومن ثم ينبغي ألا يقاس نجاح قطاع المياه فقط بعدد الأمتار المكعبة الجديدة التي تنتجها محطات التحلية، وإنما أيضاً بـكمية المياه المحلاة التي أمكن تجنب استخدامها. فكل متر مكعب من المياه المعالجة يحل بصورة آمنة محل متر مكعب محلى في استخدام غير مخصص للشرب يمثل توفيراً في الطاقة والقدرة الاستثمارية المستقبلية.

أمن الماء بعد أحداث 2026
وقد أضافت التطورات الجيوسياسية الأخيرة بعداً أكثر حساسية للموضوع. فقد حذرت الإسكوا في تقرير صدر في فبراير 2026 من أن نحو 40 مليون شخص في دول الخليج يعتمدون على مياه محلاة مصدرها الخليج، وأن ارتفاع تكاليف الطاقة أو تعطل البنية التحتية يمكن أن ينتقل مباشرة إلى منظومة المياه. وأظهرت التطورات الإقليمية في 2026 أن محطات الكهرباء والتحلية ليست مجرد أصول خدمية، وإنما بنية تحتية استراتيجية معرضة للمخاطر الجيوسياسية.
لذلك لم يعد الأمن المائي يعني فقط امتلاك طاقة تحلية تكفي الطلب اليومي، بل يتطلب فائض قدرة، وخزانات استراتيجية، وربطاً بين المحطات والمناطق، ومصادر متعددة، وإمكان تشغيل الطوارئ. وعُمان مثلاً بدأت تطوير تخزين المياه المحلاة داخل الطبقات الجوفية، وتتراوح السعة المقدرة للمواقع التي يجري اختبارها بين 18 و30 مليون متر مكعب، بما يسمح بإنتاج المياه في فترات انخفاض الطلب وتخزينها للطوارئ والذروة.
ماذا تعني هذه التحولات للبحرين؟
البحرين بدأت بالفعل التحرك في الاتجاه المطلوب. فقد طرحت محطة الحد المستقلة الجديدة بطاقة 60 مليون جالون يومياً باستخدام التناضح العكسي، ويتوقع بدء تشغيلها التجاري في الربع الثاني من 2028، مع تصريح واضح من هيئة الكهرباء والماء بأن المشروع يستهدف إحلال تقنيات أكثر كفاءة تقلل استهلاك الغاز الطبيعي. كما يجري تطوير محطة سترة الجديدة بطاقة 30 مليون جالون يومياً من المياه باستخدام RO، إضافة إلى مشروع الهملة لإنتاج 10 ملايين جالون يومياً من المياه الجوفية المالحة بالتناضح العكسي.
لكن المرحلة التالية ينبغي أن تنتقل من مفهوم زيادة إنتاج المياه» إلى مفهوم خفض الكلفة الاقتصادية الشاملة للمياه». وهذا يتطلب نشر مؤشر سنوي معلن لكلفة المتر المكعب يتضمن الإنتاج والطاقة والنقل والتوزيع والفاقد؛ ووضع هدف زمني محدد لاستهلاك الطاقة لكل متر مكعب؛ وقياس فاقد الشبكة ونشر تطوره؛ وزيادة حصة مياه الصرف المعالجة في الري والصناعة؛ وربط التوسع في التحلية بالطاقة الشمسية؛ وتحديد مستوى ملائم للمخزون الاستراتيجي.
وفي جانب التسعير، لا يعني الإصلاح الاقتصادي إلغاء الدعم عن المياه المنزلية. فالماء سلعة أساسية ذات بعد اجتماعي واضح. لكن الأفضل اقتصادياً أن يكون الدعم موجهاً إلى الإنسان وليس إلى الاستهلاك غير المحدود: حماية الكمية الأساسية اللازمة للأسرة بتعرفة منخفضة، مع جعل الاستهلاك المرتفع أقرب إلى كلفته الاقتصادية. والنظام المتدرج يسير من حيث المبدأ في هذا الاتجاه، لكن تقييم فعاليته يتطلب ربط شرائح التعرفة بتطور الاستهلاك والكلفة الحقيقية للماء، حيث لاحظنا وجود طفرة كبيرة في الشريحة الأخيرة من الاستهلاك، وهذا يؤثر على العوائل الكبيرة التي تسكن في بيت واحد وهذه باتت سمة منتشرة في المجتمع البحريني.