غير مصنف

جريدة البلاد | قضايا قانونية


تستقبل “البلاد” مختلف الاستفسارات وطلبات الاستشارة القانونية. وجرى التعاون مع نخبة من المحامين المرموقين الذين تفضلوا بالموافقة على الإجابة عن استفسارات القراء، التي وصلت لبريد معد الزاوية ([email protected]) أو عبر حسابات “البلاد” بمنصات التواصل الاجتماعي. وللسائل ذكر اسمه إن رغب.  ومعنا في زاوية اليوم المحامي حسن بن رجب

 

هل يحق للسائح نشر تقييم سلبي لفندق أو مطعم؟ ومتى قد يتحول ذلك إلى تشهير؟

المحامي حسن بن رجب:

في عصر الاقتصاد الرقمي، لم تعد سمعة الفنادق والمطاعم تُبنى فقط على جودة خدماتها، بل أصبحت تتأثر بصورة مباشرة بما يكتبه العملاء على منصات التقييم ومواقع التواصل الاجتماعي، فربما تؤدي بضع كلمات أو نجمة واحدة إلى تغيير قرار مئات المستهلكين، وهو ما يثير تساؤلًا قانونيًّا مهمًّا: هل يملك المستهلك أو السائح حق نشر تقييم سلبي؟ وأين يقف الحد الفاصل بين النقد المشروع والتشهير الموجب للمساءلة؟

من وجهة نظر قانونية، فإن الأصل هو مشروعية إبداء الرأي في تجربة استهلاكية مر بها الشخص بنفسه، فالمستهلك ليس مجرد متلقٍ للخدمة، بل هو شريك في تحسين جودتها من خلال إبداء ملاحظاته وتقييمه لها، ولا يمكن تصور وجود سوق تنافسية أو شفافة دون أن يتمكن العملاء من نقل تجاربهم، سواء كانت إيجابية أم سلبية، طالما التزموا الصدق والموضوعية.

ولذلك، فإن كتابة عبارات مثل: الخدمة كانت بطيئة، أو الغرفة لم تكن بالمستوى المتوقع، أو لن أكرر التجربة، تدخل في الأصل ضمن دائرة الرأي الشخصي والتقييم المشروع، لأنها تعبر عن انطباع يتعلق بجودة الخدمة ولا تنسب إلى المنشأة أفعالًا غير ثابتة أو تمس سمعتها دون سند.

غير أن المشكلة تبدأ عندما يغادر التقييم دائرة الرأي إلى دائرة الاتهام، فهناك فرق قانوني دقيق بين أن يقول الشخص: لم تعجبني الخدمة، وبين أن يكتب: هذا الفندق يحتال على العملاء، أو هذا المطعم يستخدم أغذية فاسدة، أو القائمون عليه لصوص، ففي الحالة الأولى يعبر عن رأي شخصي، أما في الثانية فهو يسند وقائع خطيرة تمس السمعة والثقة التجارية، وقد تترتب عليها مسؤولية قانونية إذا لم تكن مستندة إلى أدلة معتبرة.

إن القانون البحريني، شأنه شأن الأنظمة القانونية المقارنة، لا يحمي مجرد حرية التعبير بمعزل عن المسؤولية، وإنما يوازن بين حق الفرد في إبداء رأيه وحق الآخرين في حماية سمعتهم واعتبارهم. ولذلك فإن معيار المشروعية لا يقاس بكون التقييم إيجابيًّا أو سلبيًّا، وإنما يقاس بمضمونه، وأسلوب صياغته، وصدق الوقائع التي يستند إليها، وحسن نية ناشره.

ومن واقع الممارسة القانونية، فإن كثيرًا من النزاعات لا تنشأ بسبب التقييم السلبي في حد ذاته، وإنما بسبب اختيار عبارات تحمل معنى السب أو القذف أو تتضمن اتهامات لا دليل عليها، فليس كل نقد تشهيرًا، كما أن كل تشهير لا يمكن تبريره بأنه مجرد رأي شخصي، فالرأي يظل محميًّا ما دام يعبر عن انطباع أو تقييم، أما الادعاء بوقائع محددة تمس الذمة أو الأمانة أو النزاهة، فيخضع لضوابط قانونية مختلفة.

كما ينبغي ألا يغيب عن الأذهان أن المنصات الإلكترونية لم تعد فضاءً خارج نطاق القانون، بل أصبحت تخضع للأحكام المنظمة للنشر الإلكتروني، شأنها شأن وسائل النشر التقليدية، وبالتالي فإن ما يكتب على منصة تقييم أو حساب شخصي قد يرتب ذات الآثار القانونية التي قد تترتب على أي وسيلة نشر أخرى إذا تضمن اعتداءً على الحقوق أو السمعة.

وفي المقابل، لا يجوز أيضًا أن تتحول دعاوى التشهير إلى وسيلة لإسكات المستهلكين أو منعهم من نقل تجاربهم الحقيقية، فالمجتمع بحاجة إلى تقييمات صادقة تساعد على رفع جودة الخدمات، وتشجع المنشآت على معالجة أوجه القصور، وتمنح المستهلكين صورة واقعية عن مستوى الخدمة قبل التعاقد.

ومن هنا، فإن التوازن الذي يسعى إليه القانون يتمثل في حماية حق المستهلك في التعبير عن تجربته، وفي الوقت ذاته حماية المنشآت من الاتهامات الباطلة والإساءات التي لا تستند إلى واقع، فالتقييم الصادق، المكتوب بلغة محترمة، هو حق مشروع، أما الإساءة أو التجريح أو اختلاق الوقائع، فليس من حرية التعبير في شيء.

إن الكلمة في العالم الرقمي أصبحت ذات أثر بالغ، وقد ترفع من شأن منشأة أو تلحق بها ضررًا كبيرًا، ولهذا فإن المسؤولية القانونية والأخلاقية تقتضي أن يكون النقد مبنيًا على الحقيقة، وأن يظل الهدف منه تقويم الخدمة لا النيل من الأشخاص أو الإضرار بسمعتهم، وهذه هي المعادلة التي يحرص القانون على تحقيقها، حفاظًا على حق المستهلك، وصونًا لسمعة أصحاب الأعمال، وترسيخًا لثقافة الحوار المسؤول في الفضاء الإلكتروني.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى