غير مصنف

جريدة البلاد | حوار | الباحث أحمد الزاكي: “الخوارزميات” لاعب خفي يعيد تشكيل القيم والاتجاهات

السبت 18 يوليو 2026



  • سؤال مهم: من يقرر ما نشاهده عندما تتحكم “الآلة” في أولويات الجمهور؟


  • منصة.. مؤثر.. جمهور.. والخوارزمية  تدير المشهد من الخلف

 

هل يمكن أن نفهم “الخوارزميات الرقمية” على أنها مجرد أكواد برمجية تنظم ما يظهر على شاشات الهواتف؟ ليس الأمر كذلك إطلاقًا، بل أصبحت لاعبا مؤثرا في تشكيل الرأي العام، وتوجيه الاهتمامات، وصناعة الترند، بل وحتى التأثير في القيم والاتجاهات الاجتماعية. 

من يحدد ما نشاهده؟ ولماذا ينتشر محتوى معين بينما يختفي آخر؟ وهل أصبح المؤثر يقود الجمهور، أم أن الخوارزمية هي التي تقود المؤثر والجمهور معا؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الباحث أحمد محسن الزاكي في دراسته العلمية لنيل درجة الماجستير بعنوان: ”دوور الخوارزميات الرقمية في تشكيل التوجهات القيمية لدى المؤثرين في مملكة البحرين”.

هذه الدراسة الميدانية المهمة تناولت أحد أكثر الموضوعات حضورًا في العصر الرقمي، عبر استبيان شمل 400 من متابعي المؤثرين في البحرين، وكشفت عن أبعاد جديدة للعلاقة بين المؤثر، والجمهور، والخوارزميات التي تتحكم في ظهور المحتوى وانتشاره، وفي هذا الحوار، يتحدث الزاكي عن أبرز نتائج الدراسة، وتأثير الخوارزميات في القيم والسلوك، وما الذي ينبغي فعله لضمان بيئة رقمية أكثر وعيا وشفافية.

الخوارزميات… اللاعب الخفيّ

لنبدأ بالتعرف على الدافع لاختياركم هذا الموضوع للرسالة؟ لماذا اخترته؟


– يشهد العالم تحولا رقميا متسارعا جعل الخوارزميات جزءا من الحياة اليومية لكل مستخدم للمنصات الرقمية، ومع ذلك لا يزال كثير من الناس ينظرون إليها باعتبارها أدوات تقنية محايدة، بينما تؤدي في الواقع دورا كبيرا في تحديد ما نراه وما نتجاهله، من هنا جاءت فكرة الدراسة، لفهم تأثير هذه الخوارزميات في تشكيل التوجهات القيمية والاجتماعية لدى متابعي المؤثرين في البحرين، والكشف عن العلاقة المتشابكة بين المؤثر والمنصة والجمهور.

وبناء على عناصر عديدة أخضعت للبحث، أظهرت النتائج أن الخوارزميات أصبحت المحرك الرئيس لعملية التعرض للمحتوى، فلم تعد متابعة المؤثر تعتمد فقط على قرار المستخدم، بل أصبحت المنصات تقترح المحتوى وفقًا لسجل الاهتمامات والتفاعل السابق، كما تبين أن المحتوى الذي تدفع به الخوارزميات يحظى بحضور كبير لدى الجمهور، وأن كثافة التعرض له ترتبط بزيادة إدراك تأثيره في تشكيل القيم والاتجاهات، وهذا يعني أن المستخدم أصبح يعيش داخل بيئة رقمية يعاد ترتيبها باستمرار وفق معايير تقنية تعتمد على التفاعل والانتشار.

أهمية تطبيقية

لأهمية الموضوع، نحتاج إلى توضيح أعمق لنفهم بشكل أوسع كذلك.. حدثنا أكثر عن تفاصيل اختيار موضوع البحث؟


– اختيار هذا الموضوع تحديدا لم يكن وليد الصدفة، بل هو انعكاس مباشر للبيئة المهنية المتطورة التي أنتمي إليها في مجلس النواب، وبصفتي اختصاصيا تنفيذيا في قسم الإعلام الإلكتروني، كنت أراقب عن كثب هذه التحولات الرقمية، ولكن الدافع الأكبر والمباشر انطلق من الإنجاز النوعي الذي حققه مجلس النواب مؤخرا بحصوله على شهادة “الأيزو” في مجال الذكاء الاصطناعي؛ فهذا الإنجاز شكل لي حافزا كبيرا لربط تخصصي الأكاديمي في الإعلام بهذا التوجه، وبالطبع، أنتهز الفرصة لأن أقدم شكري لمعالي رئيس مجلس النواب السيد أحمد بن سلمان المسلم، وللمهندس محمد إبراهيم السيسي البوعينين الأمين العام على دعمهما لي ولموظفي الأمانة العامة.

ويهمني القول أنه من خلال الدراسة الميدانية، لمسنا بوضوح أن الخوارزميات الرقمية لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت فاعلا أساسيا يبرز المحتوى المثير للجدل ويشكل الرأي العام والتوجهات القيمية والاجتماعية، وقد أثبتت النتائج أن المؤثرين أنفسهم باتوا يغيرون طبيعة محتواهم ليتماشى مع منطق هذه الخوارزميات سعيا للانتشار، وهنا تبرز الأهمية التطبيقية للدراسة؛ فالجمهور المبحوث أظهر وعيا بأهمية وجود ضوابط أخلاقية وتعزيز الشفافية لعمل هذه الخوارزميات، وبناء على ذلك، ومواكبة لعملي في المؤسسة، حرصت على ألا تقتصر مخرجات الدراسة على الجانب الأكاديمي، بل إن بعض التوصيات تحمل جوانب تنظيمية متعلقة بالجانب التشريعي، لتقديم رؤى ومقترحات تسهم في تنظيم الفضاء الرقمي وحماية التوجهات القيمية للمجتمع البحريني بكل كفاءة.

انتشار “المحتوى المثير”

هل توصلت الدراسة إلى تفسير لطبيعة المحتوى الذي تمنحه الخوارزميات أفضلية؟ وإلى أي مدى تؤثر الخوارزميات في التفكير والقيم والسلوك؟


– نعم، فقد أوضحت النتائج أن الخوارزميات تميل إلى إبراز المحتوى القادر على تحقيق أعلى معدلات التفاعل، خصوصا المحتوى الترفيهي أو المثير للجدل أو الذي يثير الانفعال والنقاش. وهذا يعني أن معيار الانتشار لا يرتبط دائما بجودة الرسالة أو قيمتها المعرفية، بل بقدرتها على جذب المشاهدات والتعليقات والمشاركات، وهو ما قد يؤثر في ترتيب أولويات المحتوى داخل المنصات الرقمية.

أضف إلى ذلك، أن النتائج تشير إلى أن تأثير الخوارزميات لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى المجال القيمي والاجتماعي، فالمحتوى الذي يتكرر ظهوره باستمرار يصبح أكثر حضورا في وعي المستخدم، وقد يسهم تدريجيا في تعزيز بعض القناعات أو الاتجاهات، كما بينت الدراسة أن الجمهور يدرك قدرة المنصات على تشكيل الرأي العام وتوجيه الاهتمامات، حتى تجاه موضوعات لم تكن ضمن اهتماماته الأساسية في البداية، وهو ما يجعل التأثير تراكميا وغير مباشر في كثير من الأحيان.

المؤثر والخوارزمية

وهل نفهم أن الخوارزميات تؤثر في سلوك (المؤثرين) أنفسهم؟ وماذا عن ثقة الجمهور بالمحتوى الذي تبرزه الخوارزميات؟


– بلا شك، فقد كشفت الدراسة عن أن نسبة كبيرة من المبحوثين تلاحظ تغيرا في طبيعة محتوى المؤثرين بهدف زيادة الانتشار والتفاعل، وهذا يدل على أن المؤثرين أصبحوا يتكيفون مع منطق الخوارزميات، من خلال تقديم محتوى أكثر إثارة أو أقصر زمنًا أو أكثر قابلية للمشاركة، وبالتالي فإن الخوارزمية لا تؤثر في الجمهور فقط، بل تؤثر أيضا في طريقة إنتاج الرسائل الإعلامية وصياغتها، وهو ما يجعل العلاقة بين المؤثر والمنصة علاقة تأثير متبادل.

أما عن “الثقة”، فقد تبين أن الثقة في المحتوى الخوارزمي جاءت بدرجة متوسطة، وهو مؤشر إيجابي يعكس وجود قدر من الحذر لدى الجمهور، لكن في الوقت نفسه، أثبتت النتائج أن زيادة الثقة بالمحتوى الذي توصي به الخوارزميات ترتبط بزيادة التأثر بالقيم والاتجاهات التي يحملها، لذلك يصبح الوعي النقدي ضرورة، حتى لا يتحول الانتشار إلى معيار للحقيقة أو الجودة.

المستخدم والمعرفة

من المهم أن نتحدث قليلا بشأن الرسالة التي يلزم إيصالها للمجتمع من خلال البحث.. ما جوهرها؟


– أوصت الدراسة بتعزيز الشفافية في آليات عمل الخوارزميات، وبيان أسباب ظهور المحتوى للمستخدمين، ووضع ضوابط أخلاقية للمحتوى الذي يعتمد على الإثارة بهدف زيادة التفاعل، كما دعت إلى رفع الوعي المجتمعي بآليات عمل الخوارزميات، وتشجيع المنصات على دعم المحتوى الثقافي والهادف، وتنمية التفكير النقدي لدى الجمهور، ووضع أطر تشريعية تحقق التوازن بين تنظيم الخوارزميات وحماية حرية التعبير، إلى جانب توعية المؤثرين بمسؤوليتهم القيمية والاجتماعية. 

في الواقع، شخصيا أؤمن بأن الخوارزميات ستظل جزءا أساسيا من المستقبل الرقمي، لكن الأهم هو أن يمتلك المستخدم المعرفة التي تمكنه من التعامل معها بوعي ومسؤولية، بحيث تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا العكس.  

 

توصيات الدراسة: نحو مزيد من الشفافية وحماية البيئة الرقمية

خلصت الدراسة إلى مجموعة من التوصيات التي تسهم في تعزيز الشفافية وحماية البيئة الرقمية، أبرزها:

1. تعزيز الشفافية في آليات عمل الخوارزميات الرقمية، من خلال توضيح أسباب ظهور المحتوى المقترح ومعايير انتشاره للمستخدمين. 

2. تطوير ضوابط أخلاقية تنظم محتوى المؤثرين، ولا سيما المضامين التي تعتمد على الإثارة أو الجدل بهدف زيادة التفاعل. 

3. رفع الوعي المجتمعي بآليات عمل الخوارزميات الرقمية وتأثيرها في تشكيل الاهتمامات والقيم والاتجاهات. 

4. تشجيع المنصات الرقمية على إبراز المحتوى الهادف والثقافي، وعدم حصر الانتشار في المحتوى الأكثر جذبا للتفاعل. 

5. تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الجمهور عند التعامل مع المحتوى الذي تقترحه الخوارزميات. 

6. وضع أطر تشريعية وتنظيمية تحكم عمل الخوارزميات الرقمية، بما يضمن حماية المستخدمين وصون القيم المجتمعية. 

7. تعزيز مسؤولية المؤثرين تجاه القيم والمجتمع عند إنتاج المحتوى، وعدم تغليب الانتشار على جودة الرسالة ومضمونها. 

8. تحقيق التوازن بين تنظيم عمل الخوارزميات الرقمية وحماية حرية التعبير المسؤولة داخل البيئة الرقمية.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى