جريدة البلاد | رئيس الاتحاد الدولي للسيارات محمد بن سليم في حوار خاص وموسع مع “البلاد الرياضي” (2

مختصر مولد بالذكاء الاصطناعي
-
“FIA” يقود قطاع النقل.. كيف تساهم حلبات السباق في تطوير وقود نظيف يخدم مليار مركبة على الطرقات؟
-
إرث الـ 22 عاما.. كيف تحول سباق جائزة البحرين الكبرى من حدث رياضي إلى منبع للشغف والشمول؟
-
الريادة البحرينية.. 22 عاما من النجاح تخطت مجرد السباق لبناء إرث إنساني وشغف مجتمعي
-
التوسع العالمي والمحلي.. نرحب بـ “كاديلاك” فريقا حادي عشر والشرق الأوسط ركيزة للتنوع الرياضي
-
ثورة الاستدامة.. حلبات الفورمولا 1 مختبر تقني لتطوير وقود المستقبل لمليار مركبة تقليدية
بينما تشتعل المنافسة التقنية داخل الحلبات، تبرز على السطح ملفات أخرى لا تقل سخونة، ترسم ملامح السياسة الاستراتيجية، والمسؤولية البيئية، والمستقبل الإقليمي لرياضة الفورمولا 1.
وفي هذا الجزء الثاني والأخير من حواره الحصري والموسع مع “البلاد الرياضي”، ينتقل رئيس الاتحاد الدولي للسيارات (FIA) محمد بن سليم، للحديث عن الأبعاد الاستراتيجية والإنسانية للرياضة، إذ يرفع الستار عن كواليس القرارات الصعبة والاضطرارية التي اتخذت بشأن سباقات الشرق الأوسط جراء الظروف الراهنة، مجددا الإشادة بمملكة البحرين كمعيار قياسي عالمي وصاحبة الفضل الأول في بناء الشغف بالمنطقة. كما يحلل الرهان الأكبر للاتحاد المتمثل في “الوقود المستدام” ونقله للسيارات المدنية، موجها في الوقت ذاته رسائل ملهمة للأبطال المجهولين والمواهب العربية الشابة التي تحلم بمنصات التتويج العالمية.
حقائق وأرقام ورؤية استشرافية للمستقبل تجدون تفاصيلها في السطور التالية..
يعد الوقود المستدام بنسبة 100 % هو رهانكم الأكبر والأكثر طموحًا للمستقبل. كيف يخطط الاتحاد الدولي للسيارات لضمان انتقال هذه التكنولوجيا المتطورة من حلبات السباق الضيقة إلى سيارات الركاب اليومية على الطرقات العامة في منطقتنا العربية وفي العالم؟
إن الابتكار والتقدم يسيران جنبًا إلى جنب بشكل متلازم، ويواصل الاتحاد الدولي للسيارات الاضطلاع بدوره الريادي والطليعي في قيادة التوجه نحو رياضة وحركية (Mobility) أكثر استدامة وصداقة للبيئة من أجل أجيال المستقبل. نحن هنا لا نواكب المستقبل فحسب، بل نحن من نصنعه ونقوده.
لقد تم تصميم لوائح الوقود المستدام للعام 2026 بدقة متناهية لتكون متوافقة تمامًا ومباشرة مع أكثر من مليار سيارة تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي التقليدية موجودة حاليًا قيد الاستخدام الفعلي على الطرقات في مختلف أنحاء العالم. هذا التوافق يضمن أن الابتكارات التكنولوجية الفائقة التي يتم تطويرها واختبارها وتحسينها تحت ضغوط الحلبات، يمكنها الانتقال بسلاسة لدعم مستقبل قطاع النقل والمواصلات العالمي، وتقديم فوائد ملموسة وحقيقية ومباشرة على الطرقات وللمستهلكين العاديين في حياتهم اليومية.
حظيت مملكة البحرين بإشادات واسعة ومتكررة من قبلكم في محافل عدة. من وجهة نظركم كخبير ومسؤول أول عن هذه الرياضة، ما الذي يجعل سباق جائزة البحرين الكبرى حدثًا نموذجيًا ومعيارًا قياسيًا (Benchmark) في عالم الفورمولا 1؟
تحظى جائزة البحرين الكبرى بمكانة استثنائية وخاصة جدًا في وجداني وفي تاريخ رياضة المحركات العالمية، فهي تمثل المهد والسباق الأول للفورمولا 1 في منطقة الشرق الأوسط، ونجاحها الباهر والمستدام هو الذي عبّد الطريق وألهم الدول المجاورة للاستثمار بثقة وضخ الاستثمارات في المستويات العليا من رياضة السيارات.
إن المنطقة اليوم باتت تلعب دورًا محوريًّا ومؤثرًا للغاية في روزنامة بطولة العالم، وما بدأته مملكة البحرين قبل 22 عامًا تطور وازدهر ليتجاوز بمراحل مجرد استضافة سباق سيارات سنوي ناجح. لقد نجحت البحرين في خلق وتنمية قاعدة جماهيرية غاية في الشغف والمعرفة، وعملت على تعزيز مبادئ الشمول وإتاحة الوصول إلى الرياضة، وهو ما يشكل ركيزة أساسية وعصب الاستراتيجية التي نتبناها في الاتحاد الدولي للسيارات من أجل النمو والتوسع المستقبلي.
شهدنا مع الأسف إلغاء سباقي البحرين والمملكة العربية السعودية هذا الموسم جراء الظروف الإقليمية الراهنة. كيف يتعامل الاتحاد الدولي للسيارات مع الضغوط اللوجستية والمالية الكبيرة الناتجة عن مثل هذه الفجوات المفاجئة في جدول البطولة؟
إن سلامة وأمن وصحة مجتمعنا وزملائنا وجميع الطواقم العاملة ستبقى دائمًا ومن دون أي مواربة هي الأولوية القصوى والخط الأحمر الأول بالنسبة للاتحاد الدولي للسيارات. وبعد دراسة متأنية وشاملة وعميقة لكل المعطيات، اتُّخذ القرار الصعب بشأن سباقي البحرين والمملكة العربية السعودية، واضعين هذه المسؤولية الإنسانية والأمنية في صدارة حساباتنا.
أما بالنسبة للجوانب اللوجستية والتجارية المترتبة على هذه القرارات، فإنه يتم إدارتها والتعامل معها وتفكيك تعقيداتها من خلال تنسيق وثيق وتعاون يومي مع مجموعة الفورمولا 1 (Formula One Group) والمروجين المحليين في البلدين. وأود أن أشيد هنا بجميع الأطراف الذين تعاملوا مع هذا الموقف الاستثنائي والمعقد بأعلى درجات الاحترافية، والتفهم العالي، والمسؤولية المشتركة.
البحرين والسعودية تمثلان ركيزتين بالغتي الأهمية في المنظومة البيئية لبطولتنا، وأنا نتطلع بشوق كبير للعودة إلى كلتا الحلبتين الرائعتين في أقرب وقت ممكن فور سماح الظروف بذلك، وستبقى مشاعري وقلبي مع جميع المتأثرين بهذه الأوضاع في المنطقة.
هل ستنطلق سباقات جائزة قطر الكبرى وجائزة أبوظبي الكبرى في مواعيدها المحددة إذا ما استمرت الأوضاع الحالية على ما هي عليه؟ وهل هناك سقف زمني محدد ومكتوب لاتخاذ القرار النهائي بشأن تأكيد إقامة هذه السباقات؟ أم أن هناك احتمالية فعلية للنظر في حلبات ووجهات بديلة خارج المنطقة كخيارات طوارئ؟
نحن نواصل مراقبة وتقييم تطورات الأوضاع في المنطقة من كثب شديد وبشكل يومي، وندير قنوات اتصال مستمرة ودائمة مع المنظمين المحليين والأندية الأعضاء التابعة للاتحاد الدولي للسيارات في تلك الدول. وأكررها بوضوح: إن أمن وسلامة وحماية جميع المشاركين والموجودين في هذه الأحداث ستظل هي المحرك الأساسي والمركز الثابت الذي نبني عليه أي قرار نتخذه الآن أو مستقبلًا، ولن نتردد في اتخاذ ما يلزم لحماية عائلتنا الرياضية.
هناك اهتمام متزايد ورغبة معلنة من شركات صينية وأميركية عملاقة للدخول بفرق جديدة إلى البطولة. ما هو موقفكم الحالي الصريح من مسألة توسيع شبكة الانطلاق لتصل إلى 12 فريقًا؟ وكيف تضمنون ألا ينعكس هذا التوسع سلبًا على الاستقرار المالي والاقتصادي للفرق العشر الحالية؟
لقد أسعدني للغاية وبشكل شخصي الترحيب بدخول شركة “كاديلاك” (Cadillac) إلى شبكة الانطلاق هذا العام كفريق حادي عشر في البطولة. إن وصول هذا الاسم العريق يمثل محطة تاريخية بارزة ونقلة نوعية لبطولة العالم، إذ ضخوا طاقة متجددة وحيوية في الحلبات، وساهموا في تعزيز الجاذبية العالمية لرياضتنا وتوسيع نطاقها التسويقي. إن وجود “كاديلاك” في حارة الصيانة والمنافسة سيلهم بلا شك متنافسين وجماهير جددًا في المستقبل.
الفورمولا 1 تطورت وتكيفت دائمًا عبر تاريخها، سواء من خلال السائقين، أو الفرق، أو المصنعين، أو اللوائح التكنولوجية. ومع استمرار نمو شعبية الرياضة واكتساحها أسواقًا جديدة في العالم، بما في ذلك السوق الصينية الضخمة، فإنه من الأهمية بمكان أن نقتنص ونتبنى الفرص الاستثمارية الحقيقية التي تدعم التطوير والازدهار المستدام للرياضة على المدى الطويل، مع الحفاظ التام على التوازن المالي للجميع.
بعد موسمين من الهيمنة المطلقة للسائق ماكس فيرستابين، رأينا الصعود القوي واللافت للنظر للسائق لاندو نوريس وفريق “ماكلارين”. كيف ترون المشهد التنافسي العام في ظل القوانين الجديدة، مع الأخذ في الاعتبار أن السيارات الجديدة قد تعيد ترتيب الأوراق وتخلط مراكز القوى تمامًا من نقطة الصفر؟
لقد قدم لنا الموسم الماضي معركة ثلاثية الأبعاد حبست الأنفاس على لقب بطولة العالم، ولم تحسم هوية البطل إلا في السباق الختامي، وهو ما كان بمثابة نهاية مثالية ومستحقة لحقبة القوانين التقنية السابقة، ولحظة حماسية حقيقية أكدت قوة هذه الرياضة.
والآن، ونحن ندشن هذه الحقبة الجديدة والواعدة مع اللوائح الفنية للعام 2026، يظل تركيزنا ومجهودنا منصبين في الاتحاد الدولي للسيارات على تقديم سباقات آمنة، وتنافسية إلى أقصى حد، ومثيرة وقادرة على جذب وإبهار المشجعين القدامى والجدد على حد سواء، وضمان عدم تكرار الهيمنة الأحادية المملة.
خطابكم الأخير الذي سلطتم فيه الضوء على الدور المحوري لأكثر من 20 ألف متطوع كشف عن الجانب الخفي والإنساني للفورمولا 1. ما هي رسالتكم المباشرة لهؤلاء الأبطال المجهولين؟ وما هي كلمتكم للجمهور العربي والشباب الذي يحلم برؤية أسماء أبطال عرب على شبكة انطلاق الفورمولا 1 يومًا ما؟
المتطوعون هم العصب والعمود الفقري الحقيقي لرياضتنا، ومن دون تضحياتهم وجهودهم، بكل بساطة، لن نتمكن من إقامة أي سباق أو الدوران حول أي حلبة. ومن خلال منبركم، أود أن أجدد شكري وعميق امتناني لكل فرد منهم على وقتهم، وتفانيهم المطلق، والدور الهائل الذي يلعبه كل منهم لجعل رياضة السيارات حدثًا عالميًا جاذبًا وباهرًا في الشرق الأوسط والعالم.
بصفتكم قائدًا عربيًّا على رأس هذه المؤسسة الدولية المرموقة، كيف ترسمون في مخيلتكم ملامح ومستقبل رياضة المحركات في منطقة الخليج العربي خلال العقد المقبل، خصوصًا مع هذا التحول المتسارع نحو الطاقة النظيفة ومفهوم الاستدامة؟
إن التطور والنمو المتواصل الذي تشهده رياضة السيارات في منطقة الشرق الأوسط يمثل سمة بارزة ومثيرة ومحورية في المشهد العالمي العام للرياضة. لقد سجلت المنطقة قفزات نوعية وهائلة، ولا سيما في السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس في توسيع أجندة وجداول سباقات مختلف البطولات تحت مظلة الاتحاد الدولي للسيارات، واستضافة سباقات جديدة وضخمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، ودولة قطر، إلى جانب الإعلان الرسمي حديثا لعودة سباقات الفورمولا 1 إلى تركيا بدءًا من العام 2027.
تستضيف منطقة الشرق الأوسط الآن أربعة سباقات كبرى ضمن روزنامة الفورمولا 1، بالإضافة إلى أحداث أسطورية وعالمية أخرى مثل “رالي داكار” الشهير في السعودية، وجولات بطولة العالم للتحمل (WEC)، وبطولة العالم لـ “الفورمولا إي” للسيارات الكهربائية (Formula E)، وغيرها الكثير من بطولات العالم المصنفة. كما رحبنا حديثا بانضمام المملكة العربية السعودية لروزنامة بطولة العالم للراليات (WRC) لاستضافة الجولة الختامية للموسم الماضي.
إن الشرق الأوسط مستمر في لعب دور مركزي وقيادي في استراتيجية التوسع والتنويع لرياضة السيارات العالمية، ما يؤكد الحضور القوي المتنامي والمستحق للمنطقة على الساحة الدولية.