جريدة البلاد | البحرين تراهن على الابتكار والشركات الناشئة وتبدأ جني النتائج

ارتفعت قيمة الشركات الناشئة من نحو 186 مليون دولار عام 2021 إلى 1.6 مليار دولار عام 2026 البحرين انتقلت من قائمة أفضل 10 منظومات في المنطقة بمؤشر الأداء وفق تقرير 2024 إلى أفضل 5 منظومات بعام 2026
أعاد تقرير GSER 2026 الصادر عن مؤسسة Startup Genome تسليط الضوء على التحولات التي تشهدها منظومة الشركات الناشئة في مملكة البحرين بعد أن سجلت المملكة نتائج متقدمة في عدد من المؤشرات المرتبطة بالأداء والذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير إلى جانب ارتفاع القيمة الإجمالية للمنظومة إلى 1.6 مليار دولار أمريكي.
ورغم أهمية الأرقام التي تضمنها التقرير فإن دلالاتها الاقتصادية تتجاوز حدود قطاع ريادة الأعمال لتطرح تساؤلات أوسع حول مدى نجاح البحرين في بناء اقتصاد أكثر ارتباطًا بالابتكار والتكنولوجيا والمعرفة وقدرتها على تحويل هذا التقدم إلى فرص استثمارية ومحركات نمو جديدة للاقتصاد الوطني. من بناء المنظومة إلى خلق القيمة الاقتصادية لا تكمن أهمية نتائج تقرير GSER 2026 في حجم النمو الذي حققته منظومة الشركات الناشئة في البحرين فحسب بل في الدلالات الاقتصادية التي تعكسها هذه الأرقام فارتفاع القيمة الإجمالية للمنظومة إلى 1.6 مليار دولار مقارنة بنحو 186 مليون دولار في تقرير 2021 يشير إلى تحول نوعي في مسار تطور الشركات الناشئة في المملكة. وتبدو أهمية هذه النتائج أكثر وضوحًا عند النظر إلى مسار تطور المنظومة خلال السنوات الأخيرة إذ ارتفعت القيمة الاقتصادية للشركات الناشئة من نحو 186 مليون دولار في تقرير 2021 إلى 1.2 مليار دولار في تقرير 2024 قبل أن تصل إلى 1.6 مليار دولار في تقرير GSER 2026 ما يعكس تسارعًا ملحوظًا في وتيرة نمو المنظومة كما تعكس نتائج التقرير تحسناً في المكانة التنافسية للبحرين، إذ انتقلت من قائمة أفضل 10 منظومات في المنطقة في مؤشر الأداء وفق تقرير 2024 إلى قائمة أفضل 5 منظومات في تقرير 2026 وهو ما يعكس تسارع تطور المنظومة مقارنة بالعديد من الأسواق الإقليمية ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الزيادة البالغة 759 % باعتبارها مؤشرًا على أن البحرين بدأت تجني العوائد الاقتصادية لاستثماراتها طويلة الأمد في بناء منظومة الابتكار وريادة الأعمال كما أن التقدم المتزامن في مؤشرات الأداء والذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير يشير إلى أن النمو لم يعد قائمًا على زيادة عدد الشركات الناشئة فحسب بل على ارتفاع جودة الشركات وقدرتها على خلق قيمة اقتصادية مستدامة. وفي هذا السياق تبدو نتائج التقرير أقرب إلى مؤشر على انتقال البحرين من مرحلة بناء منظومة ريادية داعمة إلى مرحلة بناء اقتصاد أكثر ارتباطًا بالابتكار والتقنيات المتقدمة وهو التحول الذي تسعى إليه العديد من الاقتصادات في إطار جهودها لتعزيز الإنتاجية وتنويع مصادر النمو.
)التخصص بدلاً من الحجم(
رغم محدودية حجم السوق المحلي مقارنة ببعض الاقتصادات الإقليمية، نجحت البحرين في تحقيق مراكز متقدمة ضمن تقرير GSER 2026 ويعود ذلك إلى نهج اقتصادي مختلف يقوم على التخصص بدلاً من الحجم.
ففي الوقت الذي تتنافس فيه العديد من الدول على بناء منظومات واسعة للشركات الناشئة عبر التوسع في عدد القطاعات المستهدفة ركزت البحرين على بناء مزايا تنافسية في مجالات محددة تمتلك فيها فرصًا حقيقية للريادة وعلى رأسها التكنولوجيا المالية.
وتظهر ملامح هذا التوجه بوضوح في قطاع التكنولوجيا المالية الذي تحول إلى أحد أبرز القطاعات المحورية في منظومة الشركات الناشئة البحرينية وقد ساهمت البيئة الرقابية التجريبية (Regulatory Sandbox) التي أطلقها مصرف البحرين المركزي في توفير منصة للشركات الناشئة لاختبار حلولها المالية المبتكرة الأمر الذي عزز من مكانة المملكة كمركز إقليمي للابتكار المالي.
كما ساهمت قصص نجاح شركات بحرينية مثل Calo المتخصصة في تكنولوجيا الأغذية وTarabut Gateway العاملة في مجال الخدمات المصرفية المفتوحة وAion Digital المتخصصة في الحلول المصرفية الرقمية في تعزيز حضور البحرين على خريطة ريادة الأعمال الإقليمية وتمثل هذه النماذج دليلًا عمليًّا على قدرة الشركات البحرينية على النمو وجذب التمويل والتوسع خارج السوق المحلي
وتشير التجربة البحرينية إلى أن نجاح منظومات الابتكار لا يرتبط دائمًا بحجم السوق أو عدد السكان بل بقدرتها على تحديد القطاعات التي تمتلك فيها ميزة تنافسية وتوجيه السياسات والموارد نحو دعم نموها وهو ما يفسر كيف استطاعت المملكة تحقيق حضور متقدم في عدد من المؤشرات الإقليمية رغم المنافسة المتزايدة بين دول المنطقة.
ما المكاسب الاقتصادية المتوقعة؟
لا تقتصر أهمية التصنيفات الدولية على تحسين الصورة الذهنية للدول بل تتمثل قيمتها الحقيقية في قدرتها على التأثير في قرارات المستثمرين والشركات عند تقييم الأسواق والفرص المتاحة وفي هذا السياق، تمثل النتائج التي حققتها البحرين في تقرير GSER 2026 أداة مهمة لتعزيز جاذبية المملكة أمام المستثمرين ورواد الأعمال وصناديق رأس المال الجريء.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة المنافسة الاقتصادية في المنطقة فالدول لم تعد تتنافس فقط على استقطاب الاستثمارات التقليدية بل أصبحت تتنافس على جذب الشركات الناشئة عالية النمو ورؤوس الأموال الجريئة والكفاءات التقنية القادرة على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
وفي هذا السياق تمتلك البحرين عددًا من المزايا التنافسية التي تعزز جاذبيتها الاستثمارية من بينها سهولة الوصول إلى أسواق الخليج وتكاليف التشغيل التنافسية مقارنة بالعديد من المراكز الإقليمية الأخرى وقد انعكس ذلك عمليًّا من خلال إعلان ثلاث شركات تقنية مالية بريطانية إطلاق عملياتها من البحرين مؤخرًا، في خطوة تعكس ثقة الشركات الدولية في البيئة الاستثمارية بالمملكة.
كما تعزز هذه النتائج من قدرة البحرين على جذب المزيد من رؤوس الأموال الجريئة خصوصًا أن الشركات الناشئة في المملكة نجحت في استقطاب نحو 458 مليون دولار من التمويل الجريء خلال السنوات الأخيرة وهو ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين في الشركات البحرينية وقدرتها على النمو.
ولا تقتصر المكاسب المحتملة على جذب الاستثمارات فقط بل تمتد إلى دعم أهداف التنويع الاقتصادي وخلق وظائف نوعية في مجالات البرمجة وتحليل البيانات والتقنيات المتقدمة فكلما توسعت منظومة الشركات الناشئة ونجحت في استقطاب المزيد من الشركات والاستثمارات، زادت مساهمة الأنشطة القائمة على المعرفة في الاقتصاد الوطني وهو ما يعزز من قدرة البحرين على بناء محركات نمو جديدة خلال السنوات المقبلة.
السياسات وراء الأرقام
لا يمكن قراءة نتائج GSER 2026 بمعزل عن السياسات والمبادرات التي أسهمت في بناء منظومة الشركات الناشئة في البحرين خلال السنوات الماضية فالتقدم الذي حققته المملكة في مؤشرات الأداء والابتكار لم يكن نتيجة نمو تلقائي بل جاء ثمرة جهود متراكمة ركزت على تطوير البيئة التنظيمية وتوسيع فرص التمويل وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال.
وكان من أبرز هذه الخطوات إطلاق البيئة الرقابية التجريبية (Regulatory Sandbox) من قبل مصرف البحرين المركزي والتي أتاحت للشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية اختبار منتجاتها وخدماتها ضمن إطار تنظيمي داعم قبل التوسع التجاري الكامل كما لعب صندوق العمل تمكين دورًا محوريًّا في دعم نمو الشركات الناشئة من خلال برامج التمويل والتدريب والاستشارات وتسهيل الوصول إلى التقنيات الحديثة.
ولا يقتصر بناء منظومة الابتكار على توفير التمويل والتشريعات الداعمة فحسب بل يرتبط أيضًا بقدرة الاقتصاد على تطوير الكفاءات البشرية القادرة على قيادة هذه القطاعات وفي هذا الإطار شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في البرامج التدريبية والمبادرات الهادفة إلى تنمية المهارات الرقمية والتقنية سواء من خلال برامج تمكين أو عبر الشراكات مع المؤسسات التعليمية ومراكز التدريب المتخصصة.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة لأن القطاعات التي يقودها التقرير مثل التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي تعد من أكثر القطاعات قدرة على خلق وظائف نوعية ذات قيمة مضافة مرتفعة فهذه الصناعات لا تعتمد على رأس المال فقط، بل على المهارات والمعرفة والقدرة على الابتكار ما يجعل الاستثمار في رأس المال البشري جزءًا أساسيًّا من استدامة نمو المنظومة مستقبلًا.
ومن هذا المنطلق لا يمكن النظر إلى نجاح الشركات الناشئة باعتباره نجاحًا لقطاع الأعمال فقط بل باعتباره استثمارًا طويل الأجل في بناء اقتصاد قائم على المعرفة قادر على توفير فرص عمل تتماشى مع متطلبات الاقتصاد الرقمي وتعزز تنافسية الكوادر الوطنية في سوق العمل.
وفي النهاية لا يمثل تقرير GSER 2026 مجرد تحسن في ترتيب أو مؤشر دولي بل يعكس مسارًا اقتصاديًّا أوسع تسعى من خلاله البحرين إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للابتكار وريادة الأعمال ويبقى التحدي الأهم خلال المرحلة المقبلة في تحويل هذا التقدم إلى مزيد من الاستثمارات والشركات القادرة على التوسع عالميًّا بما يعزز مساهمة اقتصاد المعرفة في النمو الاقتصادي المستدام للمملكة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.