جريدة البلاد | بالفيديو: نبيل طه: مرارة الهزيمة صنعت شغفي الأكاديمي.. واللاعب البحريني محارب يقهر التحديات بـ “الغيرة” والعزيمة

-
انتهى عصر المدرب الواحد.. وإدارة طاقم العمل والاستشفاء هما فيصل النجاح الحديث
-
من جدران صالة الجفير إلى كندا.. قصة التحول نحو علم النفس الإيجابي والازدهار الفكري
-
التدريب الذهني ليس “إبرة مهدئة” قبل المباريات بل مهارة تُصقل على مدار الموسم
-
المدرسة البحرينية للمدربين تقود الخليـج بـ 28 محترفا في الخارج
-
كواليس رحلة أميركا ونيويورك.. وكيف خففت كرة اليد الجماعية مرارة الغربة بالثمانينيات
-
سر الارتقاء الأفقي والعمودي.. كيف حمتني الشاشات الفرنسية من الإصابات وصنعت هداف آسيا
بين صخب الملاعب التي شهدت على قفزاته الاستثنائية كـ “محارب” لا يهدأ، وبين أروقة الجامعات العالمية التي صقل فيها فكره الأكاديمي، يقف أسطورة كرة اليد البحرينية الدكتور نبيل طه كعلامة فارقة في تاريخ الرياضة البحرينية والخليجية. هو ليس مجرد لاعب فذّ توج بلقب هداف آسيا، أو مدرب قاد المنتخبات لمنصات التتويج، بل هو “مفكر رياضي” استطاع أن ينقل علم النفس الرياضي والإدارة الفنية من إطار الاجتهاد إلى فضاء الاحتراف القائم على القياس والمعيار.
في هذا الحوار الاستثنائي لـ “البلاد الرياضي”، نغوص مع الأسطورة نبيل طه في أعماق مسيرته؛ يتحدث بمرارة المنافس عن الهزيمة التي شكلت وعيه، وبشغف العالم عن “علم النفس الإيجابي”، ويكشف لنا عن كيف أصبحت البحرين مصنعا للمدربين المحترفين على مستوى المنطقة، وما هي الوصفة السحرية التي تجعل اللاعب البحريني رقما صعبا في الصالات المغلقة.
كابتن نبيل، نبدأ من البدايات والمشاعر التي كانت تختلج في صدرك داخل الملعب. لطالما عُرفت بروحك القتالية العالية، ما الذي كان يحرك نبيل طه اللاعب؟
لو عدت بالذاكرة، كنت دائما أشعر بأن مرارة الهزيمة عندي وتكلفتها النفسية أعلى بكثير من فرحة الفوز. وأذكر تماما في صالة “القبة” بالجفير، كنا نستعد لمباراة قمة بين الأهلي والوحدة، ومن شدة الضغط النفسي لم أكن قادرا على إسناد طولي فاستندت إلى الجدار، حتى أن الكابتن بدر ميرزا سألني مستغربا عن تعبي. ذلك الضغط جعلني أفكر مبكرا: لا بد من وجود طريقة أفضل للتعامل مع الرياضة والتدريب.
هذه المحطة كانت الشرارة لتحولك نحو العلم الأكاديمي والتخصص في علم النفس الرياضي؟
تماما. أنا محب للقراءة، وبدأ اهتمامي بعلم النفس الرياضي يتزايد. وحين كنت أعمل في المعهد البحريني الرياضي بالثمانينات، نلت فرصة دراسة الماجستير في علم النفس الرياضي من جامعة نورث ردج بكاليفورنيا؛ ففتحت أمامي آفاقا واسعة في كيفية التعامل مع الضغوط الحياتية والرياضية. بعد ذلك، بحكم عملي الأكاديمي، أكملت الدكتوراه وتخصصت في “علم النفس الإيجابي” من جامعة أوتاوا في كندا.

ما الذي يقدمه “علم النفس الإيجابي” للرياضي وللإنسان العادي؟ وما الفرق بينه وبين علم النفس العيادي؟
علم النفس الإيجابي الذي أسسه “مارتن سيلجمان” يعد من أحدث العلوم. علم النفس الإكلينيكي أو العيادي يعيد الشخص من الحالة السلبية (المرضية أو التعب) إلى الحالة العادية التي نعيشها. أما علم النفس الإيجابي، فيهدف إلى الارتقاء بالإنسان من الحالة العادية إلى “حالة الازدهار الفكري” والرضا والقناعة. هذا الازدهار ينعكس إيجابا على الصحة الذهنية والممارسات الحياتية، لدرجة أن دولا أنشأت وزارات ومباني للسعادة لتجسيد هذا المفهوم.
عشت فترة في أميركا بالثمانينات لدراسة الماجستير، وأميركا حينها لم تكن أرضا خصبة لكرة اليد. كيف مارست شغفك هناك؟
نعم، ذهبت في الثمانينات ولم يكن هناك دوري نظامي لكرة اليد في أميركا. استعنت بالـ “Yellow Pages” لأصل إلى رقم الاتحاد الأميركي في كولورادو، وأبلغوني وجود ناديين في كاليفورنيا هما “إي ستارز” و “الكوندرز”. تواصلت مع لاعب من جيل أولمبياد لوس أنجلوس 1984، وعلى الرغم من أنني كنت لاعب منتخب البحرين، كنا ندفع رسوم الملعب والمشروبات بأنفسنا لنتدرب مرتين في الأسبوع. اللعبة الجماعية خففت عني مرارة الغربة، ونجحنا مع لاعبين فنلنديين في الفوز ببطولة أميركا في نيويورك.
كيف غيرت هذه التجارب الأكاديمية والميدانية نظرتك للرياضة والحياة؟
العلم يغير زاوية نظرك للأشياء بالكامل. عندما ترى مهنتك من منظور “الواجب” يختلف الأمر تماما عما إذا رأيتها من منظور “الشغف”. أنا محظوظ جدًّا لأن عملي وهوايتي وشغفي اجتمعوا في الرياضة، وهذا يسهل البحث والقراءة. علم النفس الرياضي يضعك في حالة تحكم بالموقف لتنجز أفضل ما يمكن وتجعل عقلك يعمل لصالح جسمك في أحلك الظروف.
يرى البعض أن الإعداد النفسي أو الذهني هو مجرد “خطاب حماسي” يلقى على اللاعبين قبل المباراة الحساسة. ما تعليقك؟
هذا مفهوم خاطئ تماما. الروح المعنوية قبل المباراة هي مجرد “جرعة قصيرة المدى” وسريعة المفعول. التدريب الذهني هو مهارة تُدرب وتُصقل على مدار الموسم بالكامل. اللاعب يحتاج للتفوق في أربعة جوانب، مهارية، وبدنية، وتكتيكية، وذهنية. والجانب الذهني هو الفيصل في الفترات الحساسة والنهايات. نحن ندرب اللاعبين على أهداف واضحة: مهارات الاسترخاء والتنفس المنظم، ومهارات التركيز الأربع، والتصور الذهني، والحديث الذاتي الإيجابي. التدريب الذهني فردي تماما كتدريب القوة البدنية.
بالانتقال إلى الأكاديمية الأولمبية البحرينية والبرنامج الوطني لإعداد المدربين، هناك أرقام لافتة تعكس ريادة البحرين. حدثنا عن هذا الإنجاز.
نحن نؤمن بأن المدرب هو العمود الفقري للعملية الفنية. البحرين تمتلك اليوم 28 مدربا محترفا خارج المملكة، وهو العدد الأعلى خليجيًّا وفي مختلف الألعاب. هذا لم يأتِ من فراغ، بل بفضل تبنينا أفضل الممارسات العلمية منذ الثمانينات عندما أقر جلالة الملك المعظم إنشاء معهد البحرين الرياضي. وفي العام 1997 توأمنا مع البرنامج الوطني الكندي للمدربين، وقمنا ببحرنته وتعديله.
ما الذي يميز مستويات هذا البرنامج الوطني الذي بات مقصدا لمدربي الخليج؟
البرنامج يتكون من 4 مستويات. المدرب يحتاج إلى 6 سنوات من الدراسة والخبرة الميدانية ليتخرج من المستوى الرابع. لدينا اليوم 2032 مدربا بحرينيّا وخليجيًّا. والمثير للفخر أن 14 % من المتدربين في برنامجنا هم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية؛ ما يعكس البعد الإقليمي للبرنامج الذي فاز بجائزة الشيخ محمد بن راشد للإبداع الرياضي بالعام 2011، كما فازت الأكاديمية الأولمبية البحرينية بأفضل أكاديمية عالمية بالعام 2024.

كونك مدربًا خبيرًا عاصر أجيالًا مختلفة، ما الذي يميّز اللاعب البحريني في نظرك؟
العنصر البشري هو رأس مالنا. ما يميز البحريني هو “الغيرة” وحرقة الرغبة في الإنجاز وحب التنافس العالي. كما أن الصحافة الرياضية البحرينية تميزت بإعطاء ألعاب الصالات حقها كاملا عبر صفحات متخصصة، ولم تسمِّها يوما “ألعاب ظل”. هذا الاهتمام الإداري والإعلامي والاستثمار في الصغار والناشئين صنع الفارق للبحرين.
هل لك أن تكشف لجمهور “البلاد” عن سر من أسرار تألق نبيل طه كلاعب هداف؟
بالعام 1983 كنت مصابا في الكتف وقررت الاعتزال، لكنني ذهبت مع المنتخب إلى تايوان وكوريا وتلقيت علاجا بالإبر الصينية، وبتوفيق من الله حققت لقب هداف بطولة آسيا بـ 53 هدفا. السر كان في “الارتقاء”. كنت أذهب للسفارة الفرنسية لأستعير أشرطة الفيديو الكبيرة (VHS) لأشاهد كرة اليد الأوروبية. تعلمت أن لاعب “الباك” يجب أن يصوب بشكل أفقي بعيدا عن المدافعين. كنت أرتقي بقدم واحدة أو بقدمين؛ ما يمنحني مسافة رؤية واضحة للمرمى ويحميني من الإصابات.
كيف ترى الفارق بين تدريب الأمس وتدريب اليوم في ظل التطور التكنولوجي؟
انتهى عصر المدرب الواحد. اليوم نتحدث عن طاقم تدريبي متكامل يحترم التخصصات. والأهم من ذلك هو “التحول الرقمي والقياس”. في علم الجودة نقول: “لا تستطيع أن تطور ما لا تستطيع أن تقيسه”. اليوم نحول المهارات إلى أرقام؛ حارس المرمى إذا بلغت نسبة تصدياته أعلى من 37 % فهو ممتاز، والتصويب من الخط الخلفي بنسبة أعلى من 40 % يعد مستوى عالميًّا. كما دخل علم “الاستشفاء الرياضي” (Recovery) كعنصر جوهري لحماية اللاعبين من الإصابات في ظل تلاحق المباريات. الرياضة اليوم قطاع استثماري ضخم، والمعلومة متاحة، لكن الفيصل هو الشغف وحب التعلم المستمر.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.