جريدة البلاد | الذكاء الاصطناعي يفتح فرصًا اقتصادية جديدة للبحرين

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في مملكة البحرين، خالد المقود، أن الشراكة بين المنظمة الدولية ومملكة البحرين شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت نموذجًا للتعاون البنّاء القائم على الأولويات الوطنية والخبرات الدولية، مشيدًا بما حققته المملكة من تقدم في مجالات التنمية المستدامة، والتحول الرقمي، وتمكين المرأة والشباب، والتعليم والصحة، إلى جانب جهودها الدولية في ترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي.
وقال المقود، في حوار خاص مع “البلاد” بمناسبة يوم الأمم المتحدة، الذي يصادف 24 أكتوبر من كل عام، إن البحرين تمثل نموذجًا إيجابيًا في التنمية والانفتاح والتعايش، مثمنًا دورها في إرساء اليوم الدولي للتعايش السلمي، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجرى الاحتفال به للمرة الأولى هذا العام.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة استثنائية لإحداث نقلة نوعية في الاقتصادات والمجتمعات، بما فيها البحرين التي تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها للاستفادة من هذه الفرصة، وفي مقدمتها البنية التحتية الرقمية المتقدمة، والبيئة الداعمة للابتكار.
وثمن التزام البحرين بمواءمة خططها التنموية مع أهداف التنمية المستدامة، وهو ما تجلى في اعتماد إطار التعاون للتنمية المستدامة بين البحرين والأمم المتحدة. وقد تُرجم إطار التعاون في عدد من المجالات التي شهدت تقدمًا ملموسًا، من بينها التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، وتمكين المرأة والشباب.
وأكد المقود أن أولويات الأمم المتحدة ترتكز على 4 محاور: تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، وتعزيز العمل المناخي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، وترسيخ الثقة والتضامن الدوليين. وفيما يلي نص الحوار:
بعد ثمانية عقود
كيف تقرؤون حضور المنظمة ودورها اليوم في كل التغيرات السياسية والاقتصادية والإنسانية الكبيرة التي شهدها العالم؟
بعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها، لا تزال الأمم المتحدة تمثل الإطار الدولي الأكثر شمولًا بين الدول والشعوب في مواجهة التحديات المشتركة، ولا يزال مبدأ التواصل بين الشعوب والتعاون المشترك لمواجهة التحديات وإيجاد الحلول الجماعية في صميم عمل المنظمة.
بل إن دور الأمم المتحدة بات اليوم أكثر إلحاحًا في ظل عالم يزداد ترابطًا، ويواجه تحديات متشابكة وغير مسبوقة، بدءًا من النزاعات والأزمات الإنسانية، مرورًا بتغير المناخ واتساع فجوات التنمية، ووصولًا إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة، وكلها تحديات عابرة للحدود ولا يمكن لأي دولة أن تواجهها بمفردها.
وكما قال الأمين العام، فإننا في يوم الأمم المتحدة لا نحتفي بمنظمة فحسب، بل بفكرة أن مستقبل البشرية يعتمد على قدرتنا على العمل معًا من أجل تعزيز السلام والتنمية وحقوق الإنسان.
أربع أولويات رئيسة
كيف ترون تطور دور الأمم المتحدة، وما الأولويات التي ينبغي أن تتصدر عمل المنظمة خلال المرحلة المقبلة؟
شهد دور الأمم المتحدة تطورًا كبيرًا خلال العقود الماضية استجابةً للتحديات المتغيرة التي يواجهها العالم. وإذا كانت المنظمة قد أُنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، فإن رسالتها اليوم أصبحت أكثر شمولًا واتساعًا لتشمل التنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان، والعمل المناخي، والاستجابة للأزمات الإنسانية، ودعم المجتمعات في مواجهة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة.
وفي المرحلة المقبلة، تبرز أربع أولويات رئيسة. أولًا، تسريع التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية المتزايدة. ثانيًا، تعزيز العمل المناخي ودعم المجتمعات الأكثر تأثرًا بآثار التغير المناخي. ثالثًا، ضمان أن يكون التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أدوات لتعزيز التنمية والفرص، مع وضع الأطر اللازمة لضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التقنيات.
ورابعًا، تعزيز الثقة والتضامن الدوليين من خلال الحوار والتعاون متعدد الأطراف، بما يمكن المجتمع الدولي من التعامل بفعالية مع التحديات المشتركة وتحويلها إلى فرص للتقدم والازدهار.
شراكة قوية مع البحرين
كيف تقيّمون الشراكة بين الأمم المتحدة ومملكة البحرين، وما أبرز الملفات التي شهدت تقدمًا ملموسًا خلال الفترة الأخيرة؟
إن التعاون طويل الأمد بين الأمم المتحدة والبحرين تطور بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة نحو شراكة قوية وبناءة تقوم على رؤية مشتركة تضع الإنسان والتنمية المستدامة في قلب الأولويات.
وعلى المستوى الوطني، نثمن التزام البحرين بمواءمة خططها التنموية مع أهداف التنمية المستدامة، وهو ما تجلى في اعتماد إطار التعاون للتنمية المستدامة بين البحرين والأمم المتحدة. وقد تُرجم إطار التعاون في عدد من المجالات التي شهدت تقدمًا ملموسًا، من بينها التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، وتمكين المرأة والشباب، وتعزيز جودة التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب الجهود المتعلقة بالاستدامة البيئية والعمل المناخي.
أما على المستوى الدولي، فنثمّن انخراط البحرين الفعّال في المبادرات والاتفاقيات الدولية وآليات الأمم المتحدة الأخرى، على غرار الاستعراضات الوطنية الطوعية والمراجعات الدورية الشاملة.
ونرى في هذه الشراكة نموذجًا قيّمًا للتعاون القائم على الأولويات الوطنية والخبرات الدولية، ونتطلع إلى مواصلة العمل مع شركائنا في البحرين لتعزيز الإنجازات المحققة والاستفادة من الفرص الجديدة التي تتيحها التطورات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
التنمية المستدامة 2030
أين تقف البحرين اليوم في مسار تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030؟ وما المجالات التي حققت فيها تقدمًا واضحًا، وهل لا تزال التحديات قائمة؟
حققت مملكة البحرين تقدمًا ملحوظًا في عدد من مجالات التنمية المستدامة، لا سيما في مجالات التعليم والصحة وتمكين المرأة وتطوير البنية التحتية الرقمية والخدمات الحكومية الإلكترونية.
وقد ساهمت هذه الإنجازات في تحسين جودة الحياة وتعزيز كفاءة الخدمات المقدمة للمجتمع، كما عكست التزامًا واضحًا بإدماج أهداف التنمية المستدامة ضمن الخطط والسياسات الوطنية.
وفي الوقت نفسه، فإن البحرين، شأنها شأن العديد من دول العالم، تواجه تحديات تتطلب مواصلة العمل وتسريع وتيرة الإنجاز خلال السنوات المتبقية حتى عام 2030.
ومن أبرز هذه التحديات تعزيز الاستدامة البيئية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وزيادة قدرة الاقتصاد على التنوع والابتكار، وخلق فرص نوعية ترتبط باقتصاد المستقبل.
وما يبعث على التفاؤل هو وجود رؤية تنموية واضحة وإرادة مستمرة للمضي قدمًا في مسار التنمية المستدامة. ويبقى الهدف المشترك هو ضمان أن تكون ثمار التنمية شاملة وعادلة وأن تصل إلى جميع أفراد المجتمع دون استثناء، اتساقًا مع المبدأ الأساسي لأجندة 2030 المتمثل في عدم ترك أحد خلف الركب.
البحرين والتسامح والتعايش
تطرح البحرين تجربتها في التسامح والتعايش والحوار بين الأديان؛ كيف تنظر الأمم المتحدة إلى هذه التجربة، وإلى إمكانية الاستفادة منها على المستوى الدولي؟
تولي الأمم المتحدة أهمية كبيرة لقيم التسامح والتعايش والاحترام المتبادل، باعتبارها ركائز أساسية للسلام والتماسك المجتمعي والتنمية المستدامة. وفي عالم يشهد تحديات متزايدة مرتبطة بالاستقطاب وخطابات الكراهية، تزداد الحاجة إلى النماذج التي تعزز الحوار والتفاهم بين مختلف الثقافات والأديان والمجتمعات.
وفي هذا الإطار، تنظر الأمم المتحدة باهتمام إلى التجارب التي تسهم في ترسيخ ثقافة التعايش والحوار، ومن بينها تجربة البحرين التي تؤكد أهمية بناء مجتمع متنوع ومتجانس في آن واحد. فإدارة التنوع بصورة إيجابية تخلق بيئة أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات وتعزز الشعور بالمواطنة والانتماء المشترك.
كما أن تبادل الخبرات والتجارب الناجحة في هذا المجال يمكن أن يسهم في إثراء الجهود الدولية الرامية إلى نشر ثقافة السلام وتعزيز التفاهم بين الشعوب. فالتسامح والحوار ليسا قيمتين أخلاقيتين فحسب، بل هما أيضًا عاملان أساسيان لدعم التنمية والاستقرار والازدهار على المدى الطويل.
ونثمن في هذا السياق الجهود الدولية للبحرين لتعزيز السلام والتعايش السلمي، ومن ذلك دورها في إرساء اليوم الدولي للتعايش السلمي الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة واحتفلنا به للمرة الأولى هذه السنة.
الذكاء الاصطناعي واقتصاد المستقبل
مع النهضة الكبيرة في علم الذكاء الاصطناعي، كيف يمكن للبحرين الاستفادة من هذه الثورة تقنيًّا واقتصاديًّا، مع ضمان أن تكون آثارها التنموية شاملة ومستدامة؟
يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة استثنائية لإحداث نقلة نوعية في الاقتصادات والمجتمعات، وهو من أبرز المحركات التي ستشكل ملامح المستقبل خلال العقود المقبلة.
وتمتلك البحرين العديد من المقومات التي تؤهلها للاستفادة من هذه الفرصة، وفي مقدمتها البنية التحتية الرقمية المتقدمة، والبيئة الداعمة للابتكار، والاستثمارات المتواصلة في التحول الرقمي وتنمية رأس المال البشري.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تطوير قطاعات حيوية مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الحكومية والقطاع المالي والطاقة، بما يرفع الكفاءة والإنتاجية ويعزز القدرة التنافسية للاقتصاد.
كما يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام رواد الأعمال والشركات الناشئة ويخلق فرص عمل مرتبطة باقتصاد المعرفة والابتكار.
وفي الوقت ذاته، من المهم أن يواكب هذا التطور استثمار مستمر في المهارات والكفاءات الوطنية، إلى جانب تطوير الأطر التنظيمية والأخلاقية التي تضمن الاستخدام المسؤول والآمن للتكنولوجيا.
ومن منظور الأمم المتحدة، فإن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بسرعة تبني التكنولوجيا، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع الفرص المتاحة لهم بصورة عادلة وشاملة ومستدامة.
المناخ والأمن المائي والغذائي
التغير المناخي وأمن المياه والغذاء تحديات متنامية في منطقة الخليج؛ ما الأولويات التي ترون ضرورة التركيز عليها في البحرين والمنطقة خلال السنوات المقبلة؟
تشكل قضايا المناخ والمياه والغذاء تحديًا مترابطًا يتطلب استجابة شاملة ومتكاملة. فآثار تغير المناخ أصبحت أكثر وضوحًا في مختلف أنحاء العالم، ومنطقة الخليج ليست استثناءً من ذلك. وتسهم التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية والضغوط البيئية في إبراز أهمية تبني حلول مبتكرة ومستدامة على المدى الطويل.
وتتمثل الأولويات الرئيسة في تعزيز كفاءة استخدام المياه، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، والاستثمار في التقنيات الحديثة المرتبطة بالأمن الغذائي، إلى جانب تطوير البنية التحتية والأنظمة القادرة على التكيف مع المتغيرات المناخية. كما تبرز أهمية دعم الابتكار والشراكات بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات البحثية لإيجاد حلول عملية ومستدامة لهذه التحديات.
وفي الوقت نفسه، يظل التعاون الإقليمي عنصرًا أساسيًّا لتحقيق نتائج أكثر تأثيرًا، نظرًا للطبيعة المشتركة للتحديات البيئية والمناخية.
وتؤمن الأمم المتحدة بأن الاستثمار اليوم في الاستدامة والقدرة على الصمود سيشكل أساسًا أكثر قوة للأمن والازدهار في المستقبل.
تمكين الشباب البحريني
ما الذي تقوم به الأمم المتحدة لتعزيز حضور الشباب البحريني في برامجها، وتمكينه من المشاركة بصورة أوسع في التنمية وصناعة المستقبل؟
تؤمن الأمم المتحدة بأن الشباب هم شركاء أساسيون في تحقيق التنمية المستدامة وصناعة المستقبل، ولذلك يندرج تمكينهم ضمن أولويات عملها على المستويات كافة.
فالشباب يمتلكون الطاقة والإبداع والقدرة على الابتكار، وهم عنصر رئيسي في تطوير الحلول التي يحتاجها العالم لمواجهة تحدياته الحالية والمستقبلية.
وفي البحرين، تعمل الأمم المتحدة مع المؤسسات الوطنية والشركاء المعنيين على دعم المبادرات التي تعزز مشاركة الشباب في مجالات التنمية والابتكار وريادة الأعمال والعمل التطوعي والعمل المناخي.
كما نركز على بناء القدرات وتطوير المهارات المستقبلية، خصوصًا في المجالات الرقمية والتكنولوجية التي تشهد نموًا متسارعًا.
ونسعى أيضًا إلى توفير المزيد من المنصات التي تتيح للشباب المشاركة في الحوار وصنع السياسات والمساهمة بأفكارهم ورؤاهم حول القضايا التي تمس مستقبلهم.
الاستثمار في الشباب هو استثمار في قدرة المجتمعات على الابتكار والتكيف والنمو المستدام، وهو مسار لا غنى عنه لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
رسالة من البحرين إلى العالم
في يوم الأمم المتحدة، ما الرسالة التي تودون توجيهها من البحرين إلى المجتمع الدولي، وما أبرز ما تتطلعون إلى تحقيقه خلال المرحلة المقبلة من عمل الأمم المتحدة؟
في يوم الأمم المتحدة، نؤكد أن عالمنا بحاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الحوار والتضامن والعمل المشترك. فالتحديات التي تواجه البشرية، سواء كانت متعلقة بالمناخ أو التنمية أو التكنولوجيا أو الأزمات الإنسانية، تتجاوز الحدود الوطنية وتتطلب استجابات جماعية قائمة على التعاون والثقة المتبادلة.
ومن البحرين، التي تمثل نموذجًا إيجابيًّا في التنمية والانفتاح والتعايش، نوجّه رسالة مفادها أن الشراكات الفاعلة والاستثمار في الإنسان واحترام التنوع هي عناصر أساسية لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للجميع.
كما نجدد التأكيد على أهمية التمسك بالقيم التي تأسست عليها الأمم المتحدة، وفي مقدمتها السلام والتعاون واحترام الكرامة الإنسانية.
وخلال المرحلة المقبلة، نتطلع إلى مواصلة العمل مع شركائنا في البحرين والمنطقة لتسريع التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز العمل المناخي، وتمكين الشباب والمرأة، والاستفادة من فرص الابتكار والتحول الرقمي بما يخدم التنمية الشاملة.
فجوهر رسالة الأمم المتحدة يبقى ثابتًا: العمل معًا من أجل مستقبل أفضل لا يتخلف فيه أحد عن الركب.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.