No Paradise If You Are Killed by a Woman.. أفان جمال تخطف الأنظار في الجونة

في فيلم يضع المرأة في قلب واحدة من أكثر الحكايات قسوة في ذاكرة العراق الحديث، تبرز الممثلة الكردية أفان جمال بأداء تمثيلي يتجاوز حدود البطولة التقليدية، لتقدم شخصية تحمل داخلها آثار الحرب والخوف والفقد، في عمل سينمائي يراهن على قوة الحكاية الإنسانية بقدر اعتماده على التشويق والمواجهات المسلحة.
ويشارك فيلم No Paradise If You Are Killed by a Woman أو "لا جنة لمن تقتلها امرأة للمخرج الكردي النرويجي هلكوت مصطفى، في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، ضمن الاختيارات الرسمية خارج المسابقة، حيث يعرض عملاً يجمع بين الدراما الحربية والإثارة، مستنداً إلى حكاية امرأة وجدت نفسها مضطرة إلى العودة إلى عالم العنف الذي حاولت النجاة منه، بعدما وصلتها أنباء قد تقلب حياتها رأساً على عقب.
وقد حظي الفيلم باهتمام نقدي منذ عرضه العالمي الأول في الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي، حيث فاز بجائزة Brian Award وهي جائزة ترتبط بالأعمال التي تطرح قضايا إنسانية واجتماعية وتدافع عن قيم الحرية وحقوق الإنسان. كما اختير لتمثيل العراق رسمياً في سباق الأوسكار عن فئة أفضل فيلم روائي دولي في الدورة الـ99 من الجوائز.
وتذهب الإشادة بالفيلم، في جانب مهم منها، إلى أداء أفان جمال، التي تتولى الشخصية المحورية في الحكاية، وتواجه تحدياً تمثيلياً يتطلب التعبير عن شخصية تبدو صلبة في مواجهة الخطر، بينما تخفي وراء صمتها وانضباطها جراحاً نفسية عميقة. فبطلة الفيلم ليست مقاتلة تجيد استخدام السلاح فحسب، بل امرأة تحاول التعايش مع ماضٍ لم يمنحها فرصة حقيقية للتعافي، وتجد نفسها أمام اختبار يعيد فتح كل ما ظنت أنها تجاوزته.
ومن هنا، تبدو الحكاية أبعد من مجرد فيلم حرب، إذ تضع المشاهد أمام سؤال مؤلم عن الثمن الذي يدفعه الإنسان كي ينجو، وما إذا كانت النجاة الجسدية كافية حين تظل الذاكرة أسيرة الخوف والفقد.
تدور الأحداث حول "فيان"، قناصة كردية من قوات البيشمركة اعتادت كبت مشاعرها كي تتمكن من الاستمرار في الحرب. وبعد سنوات من الاعتقاد بأن شقيقتها الصغرى فقدت حياتها خلال هجوم تنظيم داعش على الموصل عام 2014، يصل إليها ما يشير إلى أنها ربما لا تزال على قيد الحياة، فتقرر العودة إلى المدينة التي تحمل ذكريات مؤلمة من ماضيها.
لكن الرحلة لا تتحول إلى مهمة إنقاذ سهلة؛ فالموصل التي تعود إليها فيان مدينة أنهكتها الحرب، والبحث عن شقيقتها يقودها إلى مواجهة أخطار جديدة، وإلى استعادة تجارب حاولت طويلاً دفنها في أعماقها. وبين المواجهات المسلحة والقرارات المصيرية، تتكشف طبقات الشخصية، ويصبح صراعها مع ذاكرتها وخوفها جزءاً لا يقل أهمية عن المعركة التي تخوضها في الخارج.
وتتجاوز أهمية الفيلم حدود الإثارة الحربية، إذ يستلهم تجربة نساء كرديات حملن السلاح في مواجهة تنظيم داعش ويضيء على ما تحملنه من خسارات وتجارب قاسية، من دون أن يفقد الأمل مكانه في الحكاية. وقد استند المخرج إلى لقاءاته مع مقاتلات كرديات خلال عام 2014، مستعيداً شجاعتهن وإصرارهن على الدفاع عن الحرية والكرامة رغم الخوف وعدم اليقين.
ويحمل المشروع كذلك بعداً شخصياً بالنسبة إلى مصطفى، الذي ولد في كردستان العراق وانتقل إلى النرويج في طفولته، وهو ما يمنح موضوعات فقدان الوطن والذاكرة والبحث عن الأمان صدى يتجاوز إطار القصة الدرامية.
تتصدر أفان جمال البطولة في دور فيان، إلى جانب الممثل النرويجي ثوربيورن هار، وكانار سارشل، وكادر جلال. ويجمع الفيلم بين فريق تمثيل متعدد الخلفيات، وحكاية تتطلب أداءً قادراً على الموازنة بين قسوة المواجهات العسكرية والهشاشة الإنسانية التي تظهر في لحظات الفقد والخوف.
أما جمال، فتجد في شخصية القناصة مساحة لتقديم أداء يعتمد على التعبير الجسدي والانفعالات المكبوتة بقدر اعتماده على الحوار، إذ لا تكشف الشخصية عن كل ما تعانيه بالكلمات، بل تترك لتفاصيل الوجه ونظرات العين والصمت مهمة نقل جانب من ألمها. وهذا ما يجعل الدور تحدياً تمثيلياً لافتاً، ويمنح الشخصية عمقاً يتجاوز صورتها كمقاتلة محترفة.
وعلى المستوى الفني، يتولى هلكوت مصطفى كتابة الفيلم وإخراجه، فيما تحمل الصورة السينمائية توقيع جون إيرلينغ هولمنيس فريدريكسن، والمونتاج لوبيكه رونسيث، والموسيقى لتروند بيوركنيس. وتبلغ مدة الفيلم 110 دقائق، وقد أُنجز في إطار إنتاج مشترك يرتبط بالنرويج والعراق والسويد والإمارات العربية المتحدة.
ويُعد العمل امتداداً لاهتمام مصطفى بالقصص العراقية والكردية ذات البعد الإنساني، بعد فيلمه الروائي (El Clásico)، الذي مثّل العراق في سباق الأوسكار عام 2016، وفيلمه الوثائقي (Hiding Saddam Hussein)، الصادر عام 2023.
وفي مهرجان الجونة، يمنح عرض الفيلم الجمهور فرصة لاكتشاف تجربة سينمائية تتعامل مع الحرب من زاوية مختلفة، حيث لا تقتصر البطولة على القدرة على القتال، بل تمتد إلى محاولة استعادة الذات بعد سنوات من الألم. وقد يكون أداء أفان جمال أبرز عناصر العمل التي تستحق التوقف عندها، خصوصاً في تجسيد امرأة تبدو قوية أمام الآخرين، بينما تخوض معركتها الأصعب في الداخل.