جريدة البلاد | التساهل مع تقارير الأخصائيين الاجتماعيين في قضايا الحضانة… من يحمي حق الطفل وحق الحاضن الفعلي؟

ترحب “البلاد” برسائل ومساهمات القراء، وتنشر منها ما لا يتعارض مع قوانين النشر، مع الاحتفاظ بحق تنقيح الرسائل واختصارها.
يرجى توجيه الرسائل إلى البريد الإلكتروني ([email protected]) متضمنة الاسم ورقم الهاتف.
في قضايا الحضانة، لا نتحدث عن ملف إداري عابر أو إجراء يمكن التعامل معه بصورة روتينية، بل نتحدث عن طفل، وعن استقراره النفسي، وعن علاقة أسرية شديدة الحساسية، وعن قرارات قضائية قد يترتب عليها تغيير جذري في حياته.
ولهذا فإن كل تقرير اجتماعي يُرفع إلى المحكمة في قضية حضانة يجب أن يُعامل بأقصى درجات الدقة والحياد والموضوعية؛ لأن ما يرد فيه قد يكون له تأثير مباشر على قرار المحكمة، وعلى حياة طفل، وعلى مستقبل أسرة بأكملها.
ومن هنا أطرح اليوم قضية أعتقد أنها تستحق أن تحظى باهتمام جاد من وزارة التنمية الاجتماعية والجهات المختصة، وهي:
هل من المناسب أن يُعاد تكليف الأخصائي الاجتماعي نفسه بملف حضانة سبق له أن أعد فيه تقريراً ضد أحد الوالدين، حتى بعد أن ثبت لاحقاً عدم صحة أحد الاتهامات الواردة في ذلك التقرير؟
تجربة شخصية
قبل أكثر من عام، كنت طرفاً في قضية حضانة تتعلق بابني. وكان هناك حكم قضائي يقضي بحضانة والده، إلا أن ابني نفسه رفض الانتقال للعيش مع والده.
وهنا بدأت المشكلة.
فبدلاً من أن يُنظر إلى رفض الطفل باعتباره موقفاً يحتاج إلى دراسة اجتماعية ونفسية متأنية، أُعد تقرير اجتماعي تضمن، بحسب ما ورد فيه، أنني أقوم بتحريض ابني ضد والده، وأن رفضه الانتقال للعيش معه يعود إلى تأثيري عليه.
كان التقرير بالنسبة لي مجحفاً وظالماً، لأنه حمّلني مسؤولية موقف لم أقم به، ولم يكن يعكس حقيقة ما يحدث من وجهة نظري.
وبناءً على هذا التقرير، اتخذت المحكمة في حينه إجراءً تمثل في فرض غرامة تهديدية عن كل يوم إلى حين تسليم الطفل لوالده.
ولأنني كنت على يقين من أن الاتهام الموجه إليّ غير صحيح، تقدمت بما لدي من أدلة ومستندات تثبت أنني لم أقم بتحريض ابني، كما قدمت تقريراً من جهة رسمية أخرى يؤكد عدم وجود ما يثبت قيامي بهذا التحريض.
وهنا لا بد لي من الإشارة بكل احترام إلى أن القضاء أنصفني، وتعامل مع ما قدمته من أدلة، وتم إسقاط الغرامة التهديدية.
وهذا الأمر بالنسبة لي يؤكد أهمية القضاء ودوره في مراجعة الأدلة وعدم الاكتفاء بالانطباعات أو التقارير الاجتماعية باعتبارها حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ماذا عن التقرير نفسه؟
بعد مرور أكثر من عام، فوجئت بأن تنفيذ حكم الحضانة عاد من جديد، وأن الملف عاد إلى الأخصائية الاجتماعية نفسها التي سبق أن أعدت التقرير محل الاعتراض ضدي.
وهنا أطرح سؤالاً لا يتعلق بشخص الأخصائية، وإنما يتعلق بسلامة الإجراء وعدالة النظام المتبع:
كيف يمكن أن نضمن حياد التقييم الاجتماعي إذا عاد الملف نفسه إلى الشخص ذاته الذي سبق أن كوّن رأياً ورفع تقريراً في القضية؟
حتى لو كانت الأخصائية مقتنعة تماماً بمهنيتها وحيادها، فإن مجرد وجود تقرير سابق يتضمن موقفاً محدداً من أحد الوالدين يخلق، في نظر الطرف المتضرر، شبهة تضارب في التقييم أو احتمال تأثر التقييم الجديد بالانطباع السابق.
والعدالة ليست فقط أن يكون المسؤول محايداً، بل أن تكون الإجراءات أيضاً مصممة بطريقة تطمئن جميع الأطراف إلى الحياد.
لماذا لا يكون التقييم من أكثر من أخصائي؟
من وجهة نظري، ومن واقع هذه التجربة، فإن قضايا الحضانة تحتاج إلى آلية أكثر صرامة.
فإذا كان التقرير الاجتماعي سيُرفع إلى المحكمة، وقد يؤثر بصورة مباشرة على قرار يتعلق بطفل، فلماذا لا يتم في القضايا الحساسة أو المتنازع عليها اعتماد تقييم مشترك من أخصائيين اجتماعيين على الأقل، أو من فريق مختص، بدلاً من أن يكون مصير أسرة بأكملها مرتبطاً بتقييم شخص واحد؟
وجود أكثر من أخصائي لا يعني التشكيك في كفاءة الأخصائي الاجتماعي، وإنما يعني إضافة طبقة من المراجعة المهنية والموضوعية.
فكما أن القرارات المهمة في العديد من المجالات لا تعتمد دائماً على رأي فرد واحد، فإن قضايا الحضانة، بما تحمله من حساسية، تستحق أن تكون لها ضمانات إجرائية واضحة.
الأهم من كل ذلك هو أن علينا ألا ننسى أن الطفل هو محور القضية.
عندما يرفض طفل الانتقال من منزل إلى آخر، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
- “من الذي يؤثر عليه؟”
- بل يجب أن تكون هناك أسئلة أعمق:
- ما سبب رفض الطفل؟
- هل يشعر بالخوف؟
- هل يشعر بعدم الأمان؟
- هل لديه تعلق نفسي بأحد الوالدين؟
- هل هناك مشكلة في التواصل؟
- هل هناك ظروف أسرية أو نفسية تؤثر على موقفه؟
- وهل يمكن أن يكون رفض الطفل نابعاً من مشاعره وتجربته الشخصية، وليس بالضرورة نتيجة تحريض من أحد الوالدين؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى تقييم مهني دقيق ومتعدد الجوانب، خصوصاً عندما يكون التقرير الاجتماعي أساساً لاتخاذ إجراءات قد تكون لها آثار نفسية وقانونية كبيرة.
لا نطالب بإلغاء دور الأخصائي الاجتماعي… بل بتعزيز دوره
من المهم التأكيد أنني لا أطالب بإلغاء دور الأخصائيين الاجتماعيين أو التقليل من أهميتهم.
على العكس تماماً.
أنا أطالب بأن يكون دورهم أكثر قوة ومهنية، وأن تكون التقارير الصادرة عنهم محاطة بضمانات ترفع من مستوى الثقة فيها.
وأقترح، من باب حماية جميع الأطراف، دراسة مجموعة من الإجراءات، منها:
- عدم تكليف الأخصائي نفسه بمتابعة الملف إذا سبق له إعداد تقرير محل اعتراض جوهري من أحد الأطراف.
- اعتماد تقييم من أكثر من أخصائي في قضايا الحضانة الحساسة والمتنازع عليها.
- وضع معايير موحدة وواضحة لإعداد التقارير الاجتماعية المرفوعة إلى المحاكم.
- توثيق كيفية الوصول إلى النتائج والاستنتاجات الواردة في التقرير.
- التفريق بوضوح بين ما قاله الطفل فعلياً وبين استنتاج الأخصائي من كلامه.
- إتاحة آلية واضحة للاعتراض على التقرير وطلب إعادة التقييم عند وجود أسباب موضوعية.
- تدريب الأخصائيين بصورة مستمرة على التعامل مع قضايا الطلاق والحضانة والنزاعات الأسرية عالية الحساسية.
- التأكيد على أن التقرير الاجتماعي أداة مساعدة للقضاء، وليس حكماً نهائياً على أحد الوالدين.
رسالة إلى وزارة التنمية الاجتماعية
رسالتي هنا ليست ضد أخصائية بعينها، ولا ضد مؤسسة بعينها.
رسالتي إلى وزارة التنمية الاجتماعية هي أن هذه التجربة تجعلني أتساءل: هل توجد مراجعة مستقلة كافية للتقارير الاجتماعية التي تُرفع في قضايا الحضانة؟ وهل توجد آلية تمنع تكرار التقييم من الشخص نفسه عندما يكون قد سبق له اتخاذ موقف مكتوب في القضية؟
أنا اليوم لا أطالب بمعاملة خاصة.
أنا أطالب فقط بأن تكون هناك ضمانات إجرائية تحمي الأم، وتحمي الأب، وقبل كل شيء تحمي الطفل.
فإذا كان تقرير اجتماعي واحد يستطيع أن يؤدي إلى اتخاذ إجراء مالي أو قانوني ضد أحد الوالدين، ثم يتبين لاحقاً عدم صحة أحد الأسس التي بني عليها ذلك التقرير، فمن حقنا كمجتمع أن نسأل: هل آلية إعداد ومراجعة هذه التقارير تحتاج إلى تطوير؟
القضاء ينصف… ولكن الوقاية أفضل من التصحيح
لقد أنصفني القضاء عندما قدمت ما يثبت عدم صحة الاتهام الموجه إليّ، وتم إسقاط الغرامة التهديدية.
وأنا أقدّر ذلك وأحترم دور القضاء ونزاهته.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو:
هل من الأفضل أن ننتظر حتى يتضرر أحد الوالدين أو الطفل، ثم يبدأ في إثبات خطأ تقرير اجتماعي، أم أن نضع من البداية نظاماً يقلل احتمالية وقوع الظلم؟
العدالة لا تكتمل فقط بتصحيح الخطأ بعد وقوعه، وإنما أيضاً بوضع إجراءات تمنع وقوع الخطأ من الأساس.
كلمة أخيرة
قضايا الحضانة ليست معركة بين أم وأب.
وليست مجرد تنفيذ حكم قضائي.
إنها في النهاية قضية طفل له مشاعر واحتياجات وحق في أن تُسمع صوته بطريقة مهنية ومحايدة، بعيداً عن افتراضات مسبقة أو صراعات الوالدين.
ومن هنا أتمنى أن تنظر وزارة التنمية الاجتماعية والجهات المعنية بجدية إلى آلية عمل الأخصائيين الاجتماعيين في ملفات الحضانة، وأن تتم مراجعة الضمانات التي تحكم إعداد هذه التقارير، خصوصاً في الحالات التي سبق فيها للأخصائي أن أعد تقريراً ضد أحد أطراف القضية.
قد تكون تجربتي حالة واحدة، ولكنني أؤمن أن طرحها للنقاش قد يساعد في حماية أسر أخرى من تجربة مشابهة، فالهدف ليس الانتصار للأم على الأب، ولا للأب على الأم… الهدف أن نضمن ألا ينتصر الخطأ على الحقيقة، وألا يكون الطفل هو من يدفع ثمن ذلك.
بقلم: مواطنة عاشت تجربة مؤلمة مع أحد ملفات الحضانة