جريدة البلاد | المخرجة السعودية جيجي حزيمة.. رحلة شغف قادتها إلى عالم السينما

لم يكن خروج المخرجة السعودية جيجي حزيمة من عباءة المكان والزمان رحلة عبر مسافات جغرافية فحسب، بل عبور روحي قائم بذاته بين جدران الفقد وقيود مرحلة تاريخية واجتماعية لم تكن تؤمن بحضور المرأة خلف عدسة الكاميرا أو في أروقة الصناعة البصرية. كانت الافتراضات السائدة أثقل بكثير من أجنحة الأحلام، وحيث غيب الموت الأب والأم في صبا الروح المبكر، ولدت صدمة البداية القاسية. طفلة خسرت ركنها الدافئ الآمن، وحملت لغتها الخام وذاكرتها البكر نحو المملكة المتحدة لدراسة صناعة الأفلام، من دون أن تملك طوق نجاة من اللغة الإنجليزية تسعفها، ولا خريطة دقيقة للعالم خارج أسوار البيئة الأولى التي نشأت فيها. لكن القوة الحقيقية، كما أدركت بعمق عبر رحلتها، لا تولد قط من وفرة الإسناد الخارجي، بل تولد من تفتيت الصمت بالرفض المتبصر.
لم تتقبل جيجي قواعد اللعبة الاجتماعية كما فُرضت عليها، ولا رضخت لتلك القيود التي كانت تبدو حائلًا دون إمكانات المرأة. شقّت طريقها الصعب بعناد الوعي لا بتهور الاندفاع، فوُلدت عبر شركتها الإنتاجية الخاصّة أربعة أفلام روائية طويلة حفرت اسمها بمداد الفخر في ذاكرة مهرجان أفلام السعودية؛ إذ نال فيلماها That Abandoned Place وIt’s Always That Feeling جائزة السعفة الذهبية، قبل أن تتوّج ذلك البوح البصري المترابط بفيلمها And Then Comes Winter، وهي دراما سردية تدور رحاها حول زوجين يواجهان تحديات عاصفة في علاقاتهما وسط أجواء حرب محتدمة في الولايات المتحدة، بتصوير ومونتاج شريكها الإبداعي منذ فترة طويلة كريستيان ج. بينتو، حيث توغلت من خلاله لبحث تأثيرات الحرب الكبرى على الروابط الحميمة، وارتباط ذلك بالحروب الداخلية الصامتة التي نخوضها في عمق علاقاتنا مع الآخرين والطريقة التي تسهم بها تلك الصراعات المركبة في تشكيل الحالة الإنسانية برمتها، وهو موضوع يكتسب أهمية مضاعفة وراهنة في ظل الظروف العالمية المتقلبة.
بسبب مشاعر العزلة والمرارة التي عاشت أطيافًا منها أثناء اغترابها الطويل؛ صار الوطن لها كادر سينما، وعدسة سحرية تعيد اكتشاف التواصل مع رؤية سعودية جديدة متوهجة ومختلفة، وهي رؤية تفخر بعمق كونها جزءًا لا يتجزأ منها. ولم توقفها عتبات العرض عند قاعات المهرجانات المحلية أو الإقليمية، بل امتدت همّتها لتؤسس مؤخرًا “صالون السينما السعودية المستقلة” من العاصمة الفرنسية باريس، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تقديم السينما السعودية المستقلة ضمن فضاء ثقافي رحب يفتح باب الحوار والتبادل الفني والفكري الحقيقي مع الجمهور الأوروبي.
لا تتوقف طموحات “صالون السينما السعودية المستقلة” عند حدود العرض الموسمي أو احتفالية الليلة الواحدة، بل ترسم المخرجة جيجي حزيمة رهانها البعيد على أن يتحول الفضاء تدريجيًّا إلى جسر عابر للقارات، ومنصة حية تمنح الأصوات الجديدة مساحة حقيقية للحضور والمحاججة الجمالية، بما يسهم بجدية في ترسيخ مكانة السينما السعودية المستقلة في عمق الخريطة الثقافية العالمية لا كضيف طارئ، بل كصوت أصيل له نبضه وفرادته.
وحين يفرض هاجس الصورة النمطية سطوته على طاولة النقاش، ترفض حزيمة منطق الترافع المسبق؛ فاهتمامها الحقيقي لا ينشغل بتأكيد تلك الصور ولا بمحاولة نفيها الساذج، مؤمنة بأن الشخصيات حين تُبنى بصدق وجدان، وبتشريح نفسي وعاطفي يعكس تعقيدات البشر الفعليين، فإنها تتجاوز تلك القوالب النمطية تلقائياً وتسحقها، لأن النور الحقيقي أقوى من أي ظل.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.