جريدة البلاد | تحليل اقتصادي

-
15 % حصة دول الخليج من إجمالي تجارة الهند الخارجية
-
الهدف ليس استبدال الدولار… بل تنويع خيارات التسوية
لعقود طويلة لم يكن الدولار مجرد عملة تستخدم في تسوية التجارة العالمية بل كان البنية التحتية التي تمر عبرها الصفقات حتى عندما لا تكون الولايات المتحدة طرفا فيها، غير أن تصاعد العقوبات المالية وتشديد السياسة النقدية الأميركية واضطراب سلاسل الإمداد كشف أن الاعتماد المفرط على عملة واحدة قد يتحول في أوقات الأزمات من مصدر للكفاءة والاستقرار إلى قناة تنتقل عبرها الصدمات النقدية والمالية إلى بقية الاقتصادات.
ومن هنا لم تعد محاولات الهند ودول الخليج لتوسيع التسويات بالعملات المحلية مجرد خطوة مصرفية أو رسالة سياسية في مواجهة هيمنة الدولار بل أصبحت جزءا من البحث عن مرونة مالية أكبر في نظام عالمي يتجه نحو تعدد مراكز القوة فالعلاقة بين الجانبين تقوم على شبكة واسعة من التجارة والاستثمار والطاقة والخدمات والتحويلات المالية ما يجعلها بيئة مناسبة لاختبار قدرة الروبية والعملات الخليجية على خفض تكاليف المعاملات والحد من مخاطر العملة الوسيطة وتوفير قنوات إضافية لاستمرار التجارة عند اضطراب الأسواق العالمية.
لكن القضية لا تتعلق بما إذا كانت هذه العملات قادرة على إزاحة الدولار بقدر ما تتعلق بقدرتها على بناء شبكة أمان موازية تجعل التجارة الهندية الخليجية أقل هشاشة أمام الصدمات فالمستقبل المالي الأقرب ليس عالمًا بلا دولار، بل عالم تتعدد فيه خيارات التسوية كلما ازدادت الحاجة إلى إدارة المخاطر.
العملة والمرونة
لأكثر من سبعة عقود شكل الدولار العمود الفقري للنظام المالي العالمي إذ وفر عملة موحدة للتسعير والتمويل والتسوية وأسهم في تسهيل حركة التجارة والاستثمار عبر الحدود إلا أن التطورات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة غيرت طبيعة النقاش، فلم يعد السؤال يدور حول كفاءة الدولار بل حول مخاطر الاعتماد المفرط على عملة واحدة في عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية وتتغير فيه السياسات النقدية بوتيرة متسارعة.
فمع تصاعد العقوبات المالية وبلوغ أسعار الفائدة الأمريكية خلال دورة التشديد الأخيرة أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين وازدياد اضطرابات سلاسل الإمداد بدأت الشركات والدول تعيد تقييم تكلفة الاعتماد الكامل على الدولار ليس بسبب ضعف العملة الأمريكية وإنما لأن القرارات السياسية والنقدية المرتبطة بها أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في تكلفة التمويل والسيولة وحركة المدفوعات الدولية.
ورغم ذلك لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته المحورية إذ يشكل نحو 57 % من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية ويدخل في قرابة 89 % من معاملات سوق الصرف الأجنبي، وهي مؤشرات تؤكد أن الحديث لا يدور حول استبدال الدولار أو نهاية هيمنته بل حول بناء بدائل تكميلية تمنح الاقتصادات مرونة أكبر في إدارة تجارتها الخارجية.
ومن هنا، برز مفهوم المرونة المالية باعتباره أحد أهم مفاهيم الاقتصاد الدولي في المرحلة الحالية، فالاقتصاد المرن ليس الذي يتجنب الصدمات بل الذي يمتلك أكثر من قناة للتسوية والتمويل عندما ترتفع تكلفة الاقتراض أو تتعطل مسارات المدفوعات التقليدية لذلك أصبحت اتفاقيات التسوية بالعملات المحلية جزءا من إستراتيجية إدارة المخاطر تماما كما تسعى الدول إلى تنويع مصادر الطاقة أو الأسواق التصديرية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم توجه الهند وشركائها التجاريين نحو توسيع استخدام العملات المحلية ليس باعتباره تحديا للدولار وإنما استثمارا في بناء شبكة مدفوعات أكثر تنوعا تضمن استمرار التجارة في أوقات التقلبات فالمستقبل لا يتجه إلى نظام مالي بلا دولار بل إلى نظام أكثر مرونة تتعدد فيه خيارات التسوية بما يعزز قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات دون المساس بأسس النظام المالي العالمي.
شراكة تتجاوز الدولار
لا يمكن تقييم جدوى التسويات بالعملات المحلية بمعزل عن طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي، فهذه ليست علاقة تجارية تقوم على سلعة واحدة بل شراكة استراتيجية تمتد من الطاقة والبتروكيماويات والمعادن إلى الخدمات اللوجستية والاستثمارات وسلاسل الإمداد وخلال السنة المالية 2024 – 2025 بلغ حجم التجارة السلعية بين الجانبين نحو 178.6 مليار دولار بما يعادل أكثر من 15 % من إجمالي تجارة الهند الخارجية وهو ما يجعل أي تحسين في كفاءة المدفوعات والتسويات ذا أثر اقتصادي ملموس.
وفي هذا الإطار جاء إطلاق آلية التسوية بالروبية والدرهم بين الهند والإمارات في عام 2023 كأول اختبار عملي لإمكانية تنفيذ جزء من التجارة الثنائية بعيدا عن الدولار، ولم يكن الهدف استبدال العملة الأميركية وإنما تقليل الاعتماد على العملة الوسيطة في بعض المعاملات بما يسهم في خفض رسوم التحويل وتسريع عمليات التسوية والحد من التعرض لتقلبات أسعار الصرف المرتبطة بالدولار.
لكن نجاح هذه الآلية لا يتوقف على وجود اتفاقيات بين البنوك المركزية فحسب بل يرتبط أيضا بقدرة الشركات على استخدام العملات المتحصلة في التجارة والاستثمار وتوافر أسواق مالية عميقة وأدوات للتحوط من مخاطر تقلبات أسعار الصرف فكلما ارتفعت سيولة هذه العملات واتسع نطاق استخدامها أصبحت التسويات بالعملات المحلية أكثر كفاءة وجاذبية للقطاع الخاص.
ومن هذا المنطلق لا تقاس أهمية هذه المبادرات بحجم التجارة التي تسوى بالعملات المحلية في الوقت الراهن وإنما بقدرتها على بناء بنية مالية أكثر تنوعا تمنح الشركات والمستثمرين خيارات، إضافية لإدارة المخاطر وفي عالم تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية مع الجيوسياسية قد تصبح هذه المرونة ميزة تنافسية لا تقل أهمية عن الاتفاقيات التجارية نفسها.
التكامل أولا
إذا كانت التسويات بالعملات المحلية تمثل الأداة فإن التكامل الاقتصادي هو المحرك الحقيقي لاستخدامها فالشركات لا تغير عملة الفوترة والتسوية استجابة للاتفاقيات السياسية وحدها وإنما عندما تصبح التجارة والاستثمارات والتدفقات المالية كبيرة ومتكررة بما يكفي لتبرير تحمل تكاليف الانتقال إلى نظام جديد.
ومن هنا لا ينبغي النظر إلى التحركات الرامية إلى التوصل لاتفاقية تجارة حرة بين الهند ودول مجلس التعاون باعتبارها مفاوضات لخفض الرسوم الجمركية فقط فزيادة التجارة وتوسيع الاستثمارات وتكامل سلاسل الإمداد ستؤدي إلى ارتفاع عدد المعاملات العابرة للحدود ما يخلق طلبًا فعليًا على أدوات دفع أقل تكلفة وأكثر سرعة وقد بلغت التجارة السلعية بين الجانبين نحو 178.6 مليار دولار خلال السنة المالية 2024 – 2025 بما يعكس وجود قاعدة تجارية كبيرة يمكن البناء عليها لتوسيع خيارات التسوية.
لكن الانتقال من تجربة ثنائية إلى إطار إقليمي لن يكون تلقائيا إذ تختلف دول المجلس في حجم تجارتها مع الهند وعمق أسواقها المالية والبنية التنظيمية لأنظمة المدفوعات ولذلك قد يبدأ التكامل من ربط أنظمة الدفع الفوري وتسهيل التحويلات قبل التوسع في تسوية تجارة الطاقة والسلع بالعملات المحلية وتقدم البحرين مثالا على هذا المسار من خلال العمل على ربط نظام المدفوعات الفورية الهندي «UPI» بنظام التحويلات المالية الإلكتروني البحريني «EFTS» بما يسمح بتنفيذ تحويلات عابرة للحدود في الوقت الفعلي.
وعليه فإن نجاح التسويات المحلية لا يبدأ من إعلان عملة جديدة للدفع بل من بناء منظومة متكاملة تشمل اتفاقيات التجارة وربط أنظمة المدفوعات وتوسيع العلاقات بين البنوك، وتوفير السيولة وأدوات التحوط وكلما تقدمت هذه العناصر معا أصبح استخدام العملات المحلية قرارا اقتصاديا تتبناه الشركات لا مجرد خيار توفره الحكومات.
الطريق ليس خاليا من التحديات
ورغم الزخم المتزايد للتسويات بالعملات المحلية، فإن نجاحها لا يقاس بتوقيع الاتفاقيات وحده بل بقدرتها على الصمود أمام متطلبات السوق فالشركات والمستثمرون يبحثون قبل كل شيء عن السيولة وسهولة تحويل الأموال ووجود أدوات مالية تمكنهم من إدارة مخاطر تقلبات أسعار الصرف وهي مزايا لا تزال الأسواق المقومة بالدولار تتفوق فيها بصورة واضحة.
كما أن معظم عملات دول مجلس التعاون الخليجي مرتبطة بالدولار الأمريكي باستثناء الدينار الكويتي المرتبط بسلة عملات وهو ما يعني أن تقليص استخدام الدولار في التسويات لا يلغي تأثيره بالكامل على المنظومة المالية الخليجية فاستقرار أسعار الصرف والسياسة النقدية في المنطقة ما زالا يرتبطان بدرجة كبيرة بتحركات العملة الأميركية.
ويبرز تحدٍ آخر يتمثل في إعادة استخدام العملات المحلية فالشركة الخليجية التي تتلقى الروبية الهندية على سبيل المثال تحتاج إلى قنوات واضحة لاستثمارها أو استخدامها في شراء السلع والخدمات أو الأصول داخل الهند وإلا ستضطر في النهاية إلى تحويلها إلى الدولار أو إلى عملتها المحلية بما يعيد جزءا من التكلفة التي سعت إلى تجنبها لذلك فإن نجاح هذا النموذج يعتمد على وجود أسواق مالية أكثر عمقا وأدوات تحوط فعالة وتدفقات تجارية واستثمارية متوازنة بين الجانبين.
ومع ذلك فإن هذه التحديات لا تقلل من أهمية المسار بل تؤكد أن الانتقال نحو نظام أكثر تنوعا سيكون تدريجيا فالتجارب الدولية تشير إلى أن العملات المحلية لا تنافس الدولار دفعة واحدة وإنما توسع حضورها تدريجيا في قطاعات وأسواق محددة كلما ازدادت الثقة بها واتسعت شبكة استخدامها وتوفرت البيئة المالية الداعمة لها.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.