غير مصنف

جريدة البلاد | مهنة الأجداد والآباء تستغيث… فهل من مُغيث؟

السبت 17 أكتوبر 2026


ترحب “البلاد” برسائل ومساهمات القراء، وتنشر منها ما لا يتعارض مع قوانين النشر، مع الاحتفاظ بحق تنقيح الرسائل واختصارها.

يرجى توجيه الرسائل إلى البريد الإلكتروني ([email protected]) متضمنة الاسم ورقم الهاتف.

يبدأ طريق اللؤلؤ من قلعة بوماهر وينتهي ببيت الشيخ عيسى بن علي ال خليفة، وهو مشروع رائد ومميز بتدشينه وتنفيذه وسيعيد لمدينة المحرق برقيها التراثي ومكانتها الحضارية في التاريخ، ويضيف الى مواقعها التاريخية أهم ايام المجد، مجد اللؤلؤ وأساطير الخليج وقلائد اللؤلؤ التي زينت بها أعناق اميرات الغرب والشرق. وسيصحو إله الماء (انكي) من غفوته وسيرى كوكب (الساية) صخرة كأنها وجه بحار حزين.

وسيكتب جلجامش ملحمة جديدة وأسطورة جديدة عن الارض التي لا ينعق فيها الغراب ولا تشيب فيها الرجال وسيعزف سيفونية كئيبة .. وسياتي اليها من ارض السومريين ويبحث عن زهرة الخلود وعيون الاسماك في الاسطورة التي ليس لها مثيل، وعن الماء العذب المختلط بالماء المالح وعن سرّ تميز لؤلؤ البحرين الذي شكلها مزيج الماء العذب والمالح، وعن ارادوس وتايلوس وديلمون الخلود قبل اكتمال قدٌ من اللؤلؤ يزيّن جيدَ جارية.

وهنا، لا بدّ من أن أوجّه تحيةً خالصةً إلى الشيخة مي بنت محمد بن إبراهيم آل خليفة، التي توشّحت بأعلى الأوسمة الدولية والعربية والخليجية، تقديرًا لما أنجزته من وضع أسس الحفاظ على تاريخ البحرين وآثارها قبل أن تندثر، والعمل على تسجيلها في اليونسكو، لتبقى حاضرةً في ذاكرة العالم وقلوب أهل البحرين والعاشقين لبحر البحرين وتراثها.

تلك كلمة عرفان لا بدّ منها لأم خالد؛ فستظل أعمالك خالدةً، كما سُطّرت أسطر ملحمة جلجامش السومرية، الباحثة عن سرّ الخلود في أرض الخلود.

طريق اللؤلؤ لن يكتمل الا بإعادة الحياة الى المهنة التي تحتضر، والجميع يتفرج على احتضارها وهم لاهين او ساهين عنها او انها لم تستهوِ او لم تكن من صميم اهتماماتهم .

واليكم الحكاية، فمنذ 26 عاماً تلقى الاخوة ممن تبقى من اساتذة صناعة السفن الخشبية (القلافة) رسالة مؤرخة في يونيو 1990 رداً على رسالتهم من المرحوم مدير عام الهيئة البلدية المركزية سيف عيسى البنعلي، وهم اصحاب رسالة صناعة السفن الخشبية (القلافة) عبد الله محمد علي ومحمد علي اسماعيل وحسن احمد تبلغهم بانه لا يسمح لهم بمزاولة صناعة السفن الخشبية او اي حرفة اخرى على الشارعين او غيرهما من السواحل في مختلف مناطق البلاد، شارع خليفة الكبير وشارع الغوص بالمحرق، واختتمت الرسالة بان الهيئة البلدية المركزية ستقوم خلال الاشهر القادمة بتسوية المنطقة الجنوبية الغربية من عراد بالمحرق وتعميق ماء البحر في هذه المنطقة وتطالبهم بالانتقال الى المواقع المخصصة في عراد والمشار اليها اعلاه بعد الانتهاء من اعدادها وتجهيزها وحتى اليوم لم نرَ موقعاً ولا تعميقا لخور عراد ولا مكاناً لما أشارت اليه الرسالة.

وتلا ذلك العديد من المناشدات واللقاءات مع من جاء بعد المرحوم سيف البنعلي وتكررت الوعود والعهود وقام استاذ صناعة السفن نجيب التيتون وهو آخر من تبقى من اساتذة هذه الصناعة في النعيم بمخاطبة الجهات المعنية من اليوم الذي ازالت احدى الجهات المجهولة مواقع انشاء الخشب في النعيم والحقتها بازالة مواقع الحدادة، هذه المهنة الملتصقة والمكملة لمهنة القلافة، ولكن لا من مجيب، حتى ان المرحوم نجيب التيتون وفي اللقاء الصحفي الاخير كان يتحدث بنبرة اليأس الحزين الكئيب.

نعم 26 سنة مضت والوعود والعهود تتكرر بل ان احد مفتشي بلدية المحرق الذي جاء قبل فترة وجيزة وقام بوضع ملصق ( انذار) على كومة الاخشاب التي تصنع منها السفن، والتي تقدر بآلاف الدنانير من الخشب الساج وبقية انواع الخشب غالية الثمن، والملصق يقول “ الرجاء ازالة هذه المخلفات والا ستقوم البلدية بإزالتها وتحميل صاحبها اتعاب الازالة “.

القلافة كانت الصناعة الاشهر في الخليج العربي وتنافسها صور في عمان، وقد حافظ العمانيون عليها وابدعوا في صناعتها وصنوفها واقاموا لها المهرجانات التي خطفت ابصار كل من مر بعمان.

وكذلك التفتت قطر اخيراً لها، وادركت اهمية ورمزية هذه الصناعة التراثية وصنعوا منها ما صنعوا، بل ان كل ما تبقى من السفن الخشبية في البحرين قاموا بشرائها ومن النعيم حيث صار موقع الورش رمزاً وتذكاراً وذكرى حزينة تدمي القلوب المولعة بالبحر والسفن واعادوا اصلاحها في البحرين واخذوها الى قطر وصارت ضمن متحف قطر للسفن الخشبية وسفن الغوص .

وفي المحرق لم يتبق الا موقع واحد بعدما كانت اسياف وشواطئ المحرق من بوماهر وجنوبا حتى فريج البوخميس تجد فيها كل انواع الخشب متراصة حتى انك تستطيع ان تنتقل من الجنوب الى الشمال بالقفز من السفن المحملة على انغام متناغمة من صوت المطارق وهي ترسل المسامير في جسد السفينة مع اصوات المناشير والمجادح لتشكل سمفونية رائعة ليس لها مثيل دون مايسترو يقودها، فهي نغم وعزف بالفطرة، تعزف ألحانها بنفسها فتتسمر ارجل المارّة ليستمعوا الى نغم لن يسمعوه الا على اسياف المحرق والنعيم وشمالأ من مدرسة الهداية وفي غرب المحرق في فريج بن هندي حيث تستمع إلى انين الصواري والاشرعة. 

وغربًا، حيث العمارات التي تمتد في شكل مستطيل من الشرق إلى الغرب، ومخازن الأخشاب تحوي الأخشاب التي تُصنع منها السفن، إلى جانب بقية مستلزمات صناعة السفن ومعدات الغوص، ومنها عمارة بوكمال، وعمارة الدوي، وعمارة بن خليل، وعمارة يوسف فخرو، وعمارة علي بن يوسف، وعمارة الفايز. وفي أقصى الطرف الشرقي، تُقام صناعة السفن مباشرةً بالقرب من البحر، لتسهيل دفعها إلى البحر.

هنا أسوق مقترحات قبل فوات الأوان، لعلها تسهم في إنقاذ هذه الصناعة العريقة، إذا ما لقيت آذانًا صاغية وحبًّا عميقًا للبحر وللبحرين، وأتمنى أن تصل هذه المقترحات إلى أصحاب القرار، وهي:

1- تخصيص ارض مباشرة على البحر، واعدادها بالمستلزمات والمعدات المطلوبة والمتصلة بصناعة السفن.

2- اإدخال مادة صناعة السفن (القلافة) ضمن مناهج المدارس الصناعية التابعة لوزارة التربية والتعليم، لضمان تخريج أجيال قادرة على مواصلة هذه المهنة العريقة، والحفاظ على استمراريتها.

3- إعادة الحياة الى مهنة الحدادة التي كانت مكملة لمهنة القلافة، حيث تزودها بالمسامير وبقية الاجزاء التي تصنع من حديد والداخلة في مهنة القلافة.

4- ايجاد سوق ملحق بالموقع لبيع المنتجات الصغيرة ونماذج انواع السفن ومشغولات القواقع البحرية وغيرها.

5- ضم أساتذة القلافة الى الضمان الاجتماعي.

6- ادراج الموقع ضمن المواقع التراثية والسياحية باعتباره معلماً من معالم البحرين الحضارية.

واخيراً على القائمين على مهرجان التراث والسياحة ان يزوروا أحد أهم أوجه التراث البحريني الذي يحتضر، وهو صناعة السفن الخشبية (القلافة).

 

بقلم: عبدالله مطيويع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى