غير مصنف

جريدة البلاد | نفط العراق في نيويورك.. من يملك مفاتيح الدولار بعد الانسحاب الأميركي؟

الأحد 04 أكتوبر 2026


في صباح اليوم الذي طُويت فيه صفحة الوجود العسكري الأميركي في العراق بعد أكثر من عقدين، بقي سؤال آخر معلقاً في بغداد: ماذا عن مليارات الدولارات التي تتدفق يومياً من صادرات النفط العراقية إلى حسابات تُدار عبر حساب في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهل يعني انسحاب الجنود نهاية النفوذ الأميركي، أم أن السيطرة على شريان الدولار تمنح واشنطن نفوذاً أكثر تأثيراً من القواعد العسكرية نفسها؟

العراق اليوم ليس مجرد دولة نفطية، بل اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات الخام التي تمثل نحو 90% من إيرادات الموازنة العامة. وفي ظل هذه المعادلة، فإن أي تأثير على تدفقات الدولار ينعكس مباشرة على سعر الصرف والتضخم والتجارة والاستقرار المالي. لذلك، تبدو قصة عائدات النفط المودعة في نيويورك واحدة من أكثر الملفات حساسية في علاقة بغداد بواشنطن.

من بغداد إلى نيويورك.. رحلة الدولار العراقي

تبدأ القصة بعد الغزو الأميركي عام 2003، حين أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة صندوق تنمية العراق DFI)) ليكون الوعاء الذي تُجمع فيه عائدات النفط العراقية. وقد كان الهدف المعلن آنذاك حماية الأموال العراقية من الدعاوى القانونية والمطالبات المرتبطة بالنظام السابق، وضمان استخدامها في إعادة الإعمار. ومع مرور الوقت، تحول الصندوق إلى حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو الترتيب الذي ما زال قائماً حتى اليوم.

وبحسب مسؤولين عراقيين تحدثوا لوكالة رويترز، فإن هذا النظام وفر للعراق لعقود شبكة أمان مالية مهمة، إذ عزز ثقة المؤسسات الدولية، وسهل الحصول على الدولار اللازم للاستيراد، وحمى الأصول العراقية من المطالبات الخارجية والدعاوى القضائية.

لكن منتقدي هذا الترتيب يرون أن ما وفره من حماية منح أيضاً الولايات المتحدة قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العراقي، لأن جميع الإيرادات النفطية تمر عملياً عبر النظام المالي الأميركي قبل وصولها إلى بغداد.

النفوذ الصامت.. كيف يتحكم الدولار بالسوق العراقية؟

على مدى سنوات، اعتمد البنك المركزي العراقي على ما كان يُعرف بـ”مزاد العملة” لضخ الدولار في السوق المحلية. وكانت المصارف وشركات الصرافة تشتري الدولار مقابل الدينار لتغطية احتياجات الاستيراد والتحويلات التجارية. غير أن هذه الآلية تعرضت لضغوط كبيرة من واشنطن التي سعت إلى تشديد الرقابة على حركة الأموال ومنع وصول الدولار إلى جهات خاضعة للعقوبات، خصوصاً المرتبطة بإيران.

وفي مطلع 2025، انتهى العمل رسمياً بنظام المزادات التقليدي، لتحل محله آليات أكثر صرامة لمراقبة التحويلات الخارجية. ومنذ ذلك الحين بدأت تظهر بصورة أوضح فجوة بين السعر الرسمي للدينار والسعر المتداول في السوق الموازية.

التحقيق في أسباب هذه الفجوة يكشف أن المشكلة لا ترتبط بنقص الاحتياطيات الأجنبية بقدر ما ترتبط بصعوبة الوصول إلى الدولار الرسمي. فآلاف التجار الصغار وبعض الأنشطة التجارية لا تستطيع استيفاء متطلبات النظام المصرفي الرسمي، ما يدفعها إلى شراء الدولار من السوق الموازية بأسعار أعلى.

ويقول خبراء اقتصاديون إن هذه الفجوة خلقت رابحين وخاسرين؛ فبينما يستفيد المضاربون وبعض الوسطاء من فروقات الأسعار، تتحمل الشركات والمستهلكون كلفة إضافية تنعكس على أسعار السلع المستوردة ومستويات التضخم.

هل السيادة المالية ممكنة؟

مع انتهاء الوجود العسكري الأميركي، يتصاعد الجدل داخل العراق حول إمكانية استعادة السيطرة الكاملة على عائدات النفط أو نقل جزء من الاحتياطيات إلى مراكز مالية أخرى.

لكن الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو. فالنفط العراقي يباع عالمياً بالدولار، ومعظم الواردات العراقية تسدد بالدولار أيضاً. وهذا يعني أن أي محاولة للابتعاد السريع عن النظام المالي الأميركي قد تخلق تحديات تتعلق بالتسويات التجارية والوصول إلى الأسواق العالمية.

مع ذلك، يرى اقتصاديون أن لدى العراق هامشاً للتحرك عبر تنويع احتياطياته تدريجياً، وزيادة حصة الذهب، والتعامل بجزء من الأصول باليورو أو اليوان، وتوسيع شبكة المصارف المراسلة خارج الولايات المتحدة. غير أن هذه الخطوات تبقى إجراءات لتوزيع المخاطر أكثر من كونها بديلاً فعلياً للدولار في المدى القريب.

المشكلة الأعمق.. اقتصاد يعيش على النفط

ورغم الجدل حول حسابات نيويورك، فإن الخطر الأكبر على السيادة المالية العراقية لا يكمن في موقع الاحتياطيات بل في طبيعة الاقتصاد نفسه.

فالعراق ما زال يعتمد على النفط لتمويل نحو 90% من إيرادات الدولة، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار والإنتاج. وتزداد المخاوف مع توقعات بانكماش الاقتصاد خلال عام 2026 نتيجة الضغوط التي تواجه سوق النفط وتراجع النشاط الاقتصادي. وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي هبوط حاد في العائدات النفطية ينعكس فوراً على المالية العامة وسعر الصرف والإنفاق الحكومي.

ويشير ذلك إلى أن معركة السيادة الاقتصادية الحقيقية لا تُحسم بنقل حساب مصرفي من نيويورك إلى أي مدينة أخرى، بل ببناء مصادر دخل بديلة قادرة على تقليل الاعتماد على النفط، عبر تطوير الصناعة والزراعة والخدمات والسياحة والاستثمار الخاص.

ما بعد الانسحاب

يكشف تتبع مسار الدولار العراقي أن نهاية الوجود العسكري الأميركي لا تعني بالضرورة نهاية النفوذ الأميركي. فبينما غادرت القوات الأميركية قواعدها، بقي أهم عصب مالي للاقتصاد العراقي مرتبطاً بالنظام المصرفي الأميركي.

السؤال المطروح اليوم في بغداد لم يعد: من يسيطر على الأرض؟ بل: من يسيطر على تدفق الدولار؟ وحتى يتمكن العراق من تنويع اقتصاده وتوسيع موارده غير النفطية، ستبقى الإجابة مرتبطة إلى حد كبير بحسابات النفط الموجودة في نيويورك، حيث تستمر أقوى أدوات النفوذ الاقتصادي في العمل بعيداً عن الأضواء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى