غير مصنف

جريدة البلاد | زينب يوسف: لوحاتي تحكي وفاءً لأخي الراحل وسفينة أبي الغارقة

الجمعة 02 أكتوبر 2026


تواصل الفنانة التشكيلية البحرينية زينب يوسف إبهار زوار معرضها الشخصي “أنا والبحر والسمك”؛ حيث حظي المعرض بإقبال جماهيري واقتناء لافت للأعمال الفنية. وفي حوار خاص لـ “البلاد”، فتحت زينب يوسف قلبها لتكشف عن الرحلة الإنسانية والذكريات الطفولية التي شكلت نسيج هذا المعرض، بدءاً من تجاوز عقدتها القديمة مع البحر والسمك، مروراً بالوفاء لشقيقها الراحل وشغف الخط العربي والميكس ميديا، وصولاً إلى كواليس تحويل عائلتها وروايات والدها البحار إلى تكوينات بصرية ساحرة.

شهد ليلة الافتتاح حضوراً كبيراً وبيع 11معظم لوحاتك؛ كيف لمستِ هذا الصدى بعد عمل استمر لسنتين؟

لم أكن أتوقع هذا الكم الهائل من الحضور؛ فأنا لستُ معروفة جداً في الساحة بشكل صاخب، ولكنني محبوبة بين الناس ولله الحمد. وقفتُ في ليلة الافتتاح عند آخر لوحة بجانب أستاذي الملهم عباس الموسوي وقلت له مشدوهة: “هل ترى هذا الحضور الذي جاء من أجلي؟”، فأجابني بدفء: “هؤلاء جميعاً حضروا محبةً فيكِ”. وفي اليوم التالي أخبرني بأن المعرض أحدث ضجة حقيقية بالحضور والموسيقى والمبيعات؛ حيث تم بيع 18 عملًا فنياً، بالإضافة إلى بيع 15 كوباً رسمتُ عليها يدوياً وغيرها، كان الإقبال عظيماً وانبهر الزوار بكيفية تصميم اللوحات ودمج الخط العربي فيها، حتى إن عائلتي وأخواتي شاركوني الفرحة العارمة، وقلت لهم: “لقد غبتُ عنكم سنتين كاملتين لأحضر لكم هذا الحدث، واليوم نعيش معاً عرساً من الفن”.

المعرض يحمل اسم “أنا والبحر والسمك”، ولكنكِ كشفتِ عن سر غريب يتصل بطفولتك

هذه هي مفارقة حياتي! منذ طفولتي كنتُ أفر تماماً من أي نوع من الأسماك أو المأكولات البحرية، وعندما كانت والدتي تطبخ السمك أو الربيان كنت أمتنع عن الأكل وتغضب مني وتعد لي طبقاً آخر. وحتى في عشرينياتي، كنتُ أهرب من بيت أختي إذا كانت تطبخ مأكولات بحرية، إلى أن أجبرتُ نفسي يوماً على تناول السمك معهم كي لا يتعلم أطفالها كره السمك مني، وتفاجأتُ بطعمه ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة تقبله.

أما البحر، فمع أن والدي كان بحاراً يملك سفينة شحن كبيرة لنقل البضائع للشركات والأفراد اسمها “ياسمين”، إلا إنني لم أركبها قط في طفولتي لشدة خوفي، وكنت أكتفي بالجلوس على الساحل أراقب عائلتي وهي تبحر. وعندما كبرت، قررتُ تصالحاً مع الذات أن أغير طفولتي وعلاقتي مع البحر والسمك والسفينة، فصممتُ لوحات المعرض بروح هذه الذاكرة.

تحدثتِ بألم ووفاء عن حادثة غرق سفينة والدكِ عام 1996، كيف جسّدتِ هذه القصة الإنسانية في لوحاتكِ؟

حادثة غرق سفينة أبي “ياسمين” عام 1996 في عرض البحر كانت جرحاً عائلياً كبيراً وخسارة جُسيمة؛ حيث انتظر والدي على إحدى الجزر من صلاة الصبح حتى صلاة العصر لإنقاذه، وعوض الناس عن بضائعهم. هذه القصة التي قصها علينا والدكِ ظلت حية في وجداني، فصممتُ لوحة تجسد سفينة أبي وهي تغرق في وسط البحر، تحيط بها الشوائب والبضائع الغارقة وسط تلاطم الأمواج والرياح، كنوع من التوثيق البصري والوفاء لتاريخ والدي. كما شرعتُ في تنفيذ لوحة لسفينة “تايتانيك” الغارقة بين الجليد، وسأكمل مشروعها مستقبلاً، بالإضافة إلى استخدامي أخشاب محامل البحر الحقيقية الأحجار والقواقع التي أجمعها من السواحل لدمجها في أعمال الفنسيفساء والميكس ميديا، وقد انباعت هذه الأعمال بالكامل.

ذكرتِ أن المعرض يضم لوحة خاصة جداً تُجسد “عرس أمكِ”، ولكن الغريب أن العائلة بأكملها ظهرت فيها على شكل أسماك

هذه آخر لوحة نفذتها في المعرض، وهي مستمدة من حلم واقعي حلمتُ به؛ حيث رأيتُ أننا جميعاً – الأخوات، وزوجات إخواني، وأبناؤنا – حاضرون في حفل عرس أمي. وطبقتُ هذا الحلم حرفياً في اللوحة؛ حيث رمزتُ لأمي بالسمكة البيضاء المركزية والجميلة، وجعلت باقي الأسماك المحيطة بها في اللوحة تُعبر عنّا نحن الحضور والعائلة. إنه تعبير بصري عن الالتفاف الأسري ولكن بلغة البحر والسمك.

تنوعت تقنياتكِ بين الخط العربي، والفسيفساء، والكولاج، والـ Mix Media..كيف تبلورت هذه الحصيلة الفنية العريضة منذ الصغر؟

الفن في عائلتنا وراثة وشغف؛ كان أخي الكبير رحمه الله رساماً وخطاطاً وفناناً بالزيتي والمائي، وكنا نلتف حوله في البيت وهو يرسم، ومنه ومن رسوماته تعلمتُ أولى دروس الفن ونقلتُ هذا الشغف لأبنائي لاحقاً. وفي المدرسة الابتدائية لا أنسى معلمتي آمال القصاب التي حببتني في الخط العربي، وفي الإعدادية كنتُ أفرغ شغفي في حصة المجالات؛ حيث كنتُ أبتكر أعمالاً من شرائط الأحذية، وأحول شرائط الشعر إلى “بروشات”، وألون على الجدران.

لاحقاً، ثقّلتُ هذه الموهبة بالدراسة؛ فدرستُ تحسين الخط العربي (الرقعة والنسخ) في جمعية البحرين للفنون التشكيلية على يد الأستاذ عبد الشهيد خمدن بين عامي 2002 و2004 وأصبحتُ عضوة بالجمعية، ثم واصلت مع الأستاذ حسين فتيل وفزتُ بشهادة أفضل طالبة، ثم تعلمت الديواني مع الأستاذ خليل المدهون، وأعطيتُ دورسات في مركز الحرف بالمنامة لـ 5 سنوات. كما درستُ الفسيفساء بكافة أنواعها (رخام، زجاج، سيراميك) والديكوباج والميكس ميديا، وشاركتُ في معارض وملتقيات في مصر، الكويت، السعودية، وقطر، ونفذت أول جدارية مع الأستاذ عباس الموسوي في قلعة البحرين بكرباباد.

ما هي خططكِ القادمة وهل يمهد هذا النجاح لورش عمل أو معارض جديدة؟

أشعر بسعادة لا توصف وأنا أرى لوحاتي تنفد والناس يسألون عن قصصها، وأتمنى ألا ينتهي هذا المعرض! نتيجة لهذا النجاح، تلقيتُ عرضين لتقديم ورش تدريبية هنية عن الفنون البحرية، من بينها ورشة في نادي البحرين لليخوت على الساحل مباشرة. كما سأقوم بتصميم لوحات جديدة بديلة للتي أُقتنيت، وأستعد لإعادة المعرض في السنوات القادمة بروح وثيم فني جديد، فالفن مشوار طويل لا يتوقف، وهدفي الأول والأخير هو أن يرى الناس القصص التي رسمتُها من ذاكرة طفولتي ويشعروا بها.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى