غير مصنف

جريدة البلاد | تحقيق: “البلاد” تكشف السوق الخفية لماركات عالمية بأسعار رخيصة

السبت 26 سبتمبر 2026

علوي الموسوي رئيس قسم الصحافة الاستقصائية وتدقيق المعلومات:

علوي الموسوي رئيس قسم الصحافة الاستقصائية وتدقيق المعلومات


 


  • خيوط البرادات تقود إلى مورّدين في المنامة 


  • مورد لـ “البلاد”: نطلب بضائع غير مخصصة للبحرين 


  • الشامبو والمعجون ومزيلات العرق ليست سلعا عادية  


  • السوق صغيرة في شكلها.. كبيرة في مبيعاتها


  • بلدان منشأ متعددة تحت العلامات العالمية ذاتها


  • “تاجر الشنطة” ينافس الوكلاء في سوق السلع


  • د. أحمد العصفور: علامات استفهام حول المنتجات شديدة الرخص 


  • فاطمة بن رجب: لا تـبـحـثوا فـي الـــرف.. تتبعـوا الـمـصـدر


  • مسؤول مشتريات: عرضوا بضائعهم علينا.. ورفضناها عند التدقيق 

علوي الموسوي

للإغراء منطقه الخاص؛ فهو لا يمنح ضحيته وقتًا كافيًا للأسئلة، تفعل الحسناء ذلك أحيانًا بنظرة، ويفعله التاجر برقم، وتعددت الأسباب والإغراء واحد.

وفي الأسواق، قد تكون بطاقة صغيرة كتب عليها “1.300 دينار” أشد إغراءً من واجهة كاملة؛ فهي لا تطلب من الزبون سوى أن يقارن: السلعة التي يعرفها، بالاسم واللون والعبوة، تباع هناك بأكثر من أربعة دنانير، وهنا بدينار وبضع مئات من الفلوس، في هذه اللحظة، لا يسأل المشتري عادة: من أين جاءت؟ يسأل سؤالًا واحدًا: كم وفرت إذا اشتريت هذه البضاعة؟ وهذا تحديدًا ما يجعل الإغراء ناجحًا.


الانطلاقة

دخلت إحدى البرادات ولم أكن أبحث عن كتابة تحقيق، كانت حاجتي أبسط من ذلك بكثير، لكن على أحد الرفوف وقفت أمامي علامات أعرفها كما يعرفها ملايين المستهلكين: Head & Shoulders، Dove، Nivea، Axe  وغيرها، بأسماء مألوفة وعبوات لا تثير في النظرة الأولى شيئًا سوى الرغبة في اقتناص الصفقة.

ثم رأيت السعر 1,3 دينار، هذا الرقم حرك عندي حاسة الصحافة التي دائمًا تكون متقدة عند هكذا موقف، بدل أن يغريني الرقم، أثار شكي، فالصحافي، لسوء حظه أحيانًا، يفسد عليه السؤال متعة الصفقة.

حملت العبوة وبدأت أقلبها، الشعار في مكانه، الكتابة مألوفة، التصميم لا يبدو للعين غريبًا، لكنني كنت قد رأيت منتجًا من العلامة نفسها في متجر كبير بسعر يتجاوز أربعة دنانير.

 ثلاثة دنانير تقريبًا لا تختفي من عبوة بمحض السحر، هناك مصنع يريد أن يقبض، وشاحن يريد أجره، ومستورد، ومخزن، ومورد، وموزع، وصاحب برادة ينتظر نصيبه، فمن الذي تنازل عن ماله طوال الطريق؟ لم أجد الجواب على العبوة، فبدأت أبحث عنه خارجها.

ومن برادة إلى أخرى، ومن محافظة إلى أخرى، بدأ ما ظننته “صفقة” يتكرر حتى فقدت المصادفة معناها، وفي نحو 90 % من البرادات التي شملها رصدنا الميداني، وجدنا نمطًا من المنتجات العالمية الرخيصة التي أعادت السؤال نفسه.

وهذه النسبة ليست مسحًا إحصائيًا لجميع برادات البحرين، ولا نزعم أنها تمثل السوق وفق عينة علمية؛ إنها حصيلة جولتنا الميدانية على المحال التي شملها الرصد، لكنها كانت كافية كي تقول لنا شيئًا واحدًا: ما رأيناه في البرادة الأولى لم يكن وحيدًا، عندها لم تعد الحسناء هي السعر، كان السعر الطعم وخلفه بدأ يظهر سوق كامل لم نكن نراه.


رقم لا يستقيم

بدأنا المقارنة، ليس بين ما يقوله بائع وما يقوله آخر، وإنما بين منتجات وأسعار رصدناها وصورناها بأنفسنا.

في أحد المتاجر الكبرى، وثقت “البلاد” عبوة شامبو 500  Head & Shoulders  بسعر 4.090 دنانير، بينما وجدنا لدى أحد موردي هذه السوق عبوات من العلامة معروضة بـ1.300 دينار للمفرد، وقال لنا المورد إن السعر ينخفض أكثر عند الشراء بالجملة.

وفي مقارنة أخرى، رصدنا مزيل عرق Axe بحجم 150 مل في متجر كبير بسعر 3.090 دنانير، بينما كانت عبوات Axe بالحجم نفسه معروضة في المحل الذي وصل إليه التحقيق بـ800 فلس، الفارق هنا 2.290 دينار أي أن سعر المحل يقل بنحو 74 % عن السعر الذي وثقناه في المتجر الكبير، ولم تكن Axe وحدها.

خلال الجولات رصدنا فوارق كبيرة في منتجات أخرى من Dove وNivea وVatika وDettol ومعاجين الأسنان والشامبو والصابون ومستحضرات العناية.

وفي بعض الأحيان لم تكن المفارقة في سعر عبوة مقابل عبوة فحسب، بل في عروض تضم عدة عبوات بسعر يقترب مما يدفعه المستهلك في متجر آخر للحصول على واحدة.

تفحصنا العينات، وحفظنا الأسعار، وقلبنا بعض العبوات بحثًا عن الفروق،  بُلدان المنشأ لم تكن واحدة؛ وجدنا منتجات تشير بياناتها إلى دول مختلفة، بينها دول عربية وآسيوية وأوروبية، لكن السعر، مهما كان غريبًا، لا يصلح وحده حكمًا، أن تكون السلعة رخيصة لا يعني أنها مقلدة، وأن تأتي من بلد مختلف لا يعني أنها مغشوشة، وأن تكون مخصصة لسوق أخرى لا يجعلها بمجرد ذلك ضارة أو مزيفة، لذلك لم تكن فرضية التحقيق أن كل ما وجدناه “كوبي”، كان سؤالنا أبسط وأصعب: كيف تستطيع سوق كاملة أن تبيع بهذه الأسعار؟

 

سحب الخيط 

للإجابة، كان علينا أن نتوقف عن النظر إلى العبوة وننظر إلى الطريق الذي جاءت منه، بدأنا من البرادات نفسها.

تحدثنا إلى عدد من العاملين فيها، وجميعهم آسيويون تربطنا ببعضهم معرفة سابقة بحكم التعامل معهم، طلب بعضهم عدم ذكر أسمائهم، لم نضع أمامهم اسمًا ونطلب منهم تأكيده.

كان السؤال: من أين تشترون هذه البضاعة؟ بدأ اسم يتكرر، ثم تكرر مرة أخرى، مصادر منفصلة قادتنا إلى موردين في قلب المنامة، وهنا تغير الاستقصاء، لم نعد نسأل عن سلعة، أصبح لدينا عنوان.

 

طريق التقصي

ذهبنا إلى أحد الأماكن التي تكرر اسمها، دخلنا من دون أن نكشف هويتنا الصحافية، دخلنا كما يدخل زبون يبحث عن بضاعة وأسعار، من الخارج متجر يعمل بصورة طبيعية ولكن وجدنا أن اسمه من الخارج معرف بصيدلية، لكن الداخل كان عالمًا من المنتجات.

صالات ورفوف تحمل شامبو وصابونًا ومعاجين أسنان ومزيلات عرق وكريمات ومستحضرات للعناية الشخصية ومنتجات صحية مختلفة.

الأسماء التي كنا نراها متناثرة في البرادات اجتمعت أمامنا: 

Head & Shoulders، Dove، Nivea، Sensodyne، Colgate، Axe، وغيرها، والأسعار أيضًا كانت أمامنا.

صورنا المكان والمنتجات والأسعار، واطلعنا على لوحة السجل التجاري الظاهرة في المحل ووثقنا رقم السجل ونوع النشاط المدرج عليها، والمرتبط بنشاط صيدلية، وهنا أصبحت المسألة أكثر حساسية.

فنحن لا نتحدث عن بائع مجهول يفتح صندوق سيارة في زقاق ثم يختفي، أمامنا نشاط قائم يعمل بصورة علنية ومن خلال سجل تجاري، وتخرج منه وفق ما قادتنا إليه إفادات البرادات، بضائع تصل إلى نقاط بيع صغيرة.

حملت عبوة، ثم أخرى، وسألت الرجل الذي يدير المكان مباشرة:هذه البضاعة مقلدة؟، أجاب بلا تردد: لا.

سألته: إذن لماذا أسعاركم رخيصة إلى هذه الدرجة؟ قال إنهم يشترون كميات كبيرة؛ ولذلك يستطيعون الحصول على أسعار منخفضة، كان تفسيرًا ممكنًا، لكنه لم يجب عن السؤال كله.

سألته: من أين تأتون بالبضاعة؟ أجاب بالقول: من أماكن عدة، واصلت الأسئلة، وهنا بدأ الرجل يشرح أكثر.

قال: إنهم يجلبون البضائع من مصادر مختلفة، وذكر في مقدمتها إحدى المناطق المشهورة خليجيًا، وإنهم يبحثون في الأسواق عن بضائع غير مخصصة أصلًا للبحرين ويتمكنون من الحصول عليها بأسعار جاذبة.

وبحسب حديثه، فإن ذلك يسمح لهم بإعادة بيعها في البحرين بالمفرد والجملة بأسعار منخفضة.

عدت إلى العلامات التي أحملها، سألته عن وجود وكلاء وقنوات توزيع لهذه المنتجات في البحرين فكيف أنت تبيعها؟ وكان جوهر إجابته: البضاعة أصلية، لكنها مخصصة لأسواق أخرى، نطلب من أسواق بضائع غير مخصصة للبحرين، ونحصل عليها بأسعار جاذبة.

لم أجادله، هززت رأسي كما لو أن الإجابة أقنعتني، فالصحافي في الميدان لا يحتاج دائمًا إلى أن ينتصر في الحوار؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يجعل الحوار يستمر، وهكذا حصلنا للمرة الأولى على تفسير من داخل هذه التجارة نفسها.

اختلاف السوق المستهدف لم يعد مجرد استنتاج من بلد المنشأ المطبوع على العبوة.

المورد نفسه يقول إن البحث عن بضائع مخصصة لأسواق أخرى بأسعار جاذبة جزء من طريقة حصوله على بعض المنتجات، لكن حديثه لا يعني أن تلك البضائع مقلدة أو مخالفة.

بل يفتح أسئلة أخرى: ما الاشتراطات التي تحكم تداول منتج صنع لسوق أخرى؟

ومن يتحقق من استيفائه المتطلبات اللازمة قبل طرحه هنا؟ وهل تمر كل السلع القادمة بهذه الطريقة بالمسار نفسه الذي تمر به المنتجات الواردة عبر قنوات التوريد المعتادة؟ وقبل أن ننتهي، تدخل أحد العاملين في المكان، كان يسمع الحديث الذي أجريته مع ما أعتقد أنه مدير المحل وهو آسيوي الجنسية.

قال هذا الموظف: إن بضائعهم “متعددة المصادر”، وإنهم معروفون في السوق، وإن لهم خبرة في التجارة تمتد إلى نحو 18 عامًا، سألته إن كانوا يبيعون هذه المنتجات طوال السنوات الثماني عشرة؟ صحح الأمر: يقصد أنهم يعملون في التجارة منذ تلك المدة، لا أنهم يتعاملون بالضرورة في هذه المنتجات طوالها.

ثم قال جملة صغيرة: لسنا الوحيدين، وسمى متجرًا آخر، كانت جملة تكفي لبدء رحلة جديدة.

 

لسنا الوحيدين

في العنوان الثاني وجدنا الفكرة نفسها، لكنها كانت أوسع، علامات معروفة، منتجات عناية شخصية، أسعار منخفضة، لكن هذه المرة دخلت بعض المواد الغذائية إلى المشهد أيضًا، لم نعد أمام شامبو ومزيل عرق وصابون فقط.

وجدنا أغذية ومنتجات استهلاكية أخرى تباع بأسعار لافتة، إلى جانب السلع التي كنا نتتبعها، هنا بدأ تفسير صفقة استثنائية يتهاوى.

فلو كان الأمر كمية شامبو حصل عليها تاجر بتصفية مخزون، لانتهت القصة عند الشامبو، ولو كان عرضًا خاصًا من مصنع، لربما انتهى عند علامة واحدة.

لكننا كنا أمام منتجات كثيرة، وعلامات متعددة، ومصادر مختلفة، وأسعار تتكرر، ومن بينها منتجات طبية تستخدم على سبيل المثال وليس الحصر، في علاج الإسعافات الأولية، كان أمامنا نموذج تجارة، وكل تجارة تحتاج إلى وسيلة تحملها إلى زبائنها، رأينا هذه الوسيلة أيضًا، باصات مظللة تتسع لنحو 16 راكبًا تستخدم في توزيع البضائع على البرادات، في هذه الرحلات، المقاعد ليست أهم ما في الباص، بل كون الباص مظللا من جهة الصنع من كل الجوانب هي الميزة الأهم.

 

البضاعة هي الراكب

صناديق تخرج من المورد، يحملها موزع، وتتحرك إلى البرادات، ثم تتفرق العبوات على الرفوف، وهكذا ظهر أمامنا جزء من السلسلة: مورد، موزع، باص، برادات، مستهلكون، لكن عندما حاولنا المشي إلى الخلف خطوة أخرى، بقي السؤال: من يقف قبل المورد؟

 

شهادة الخبير

ذهبنا بالسؤال إلى رجل يقف في الجانب الآخر من تجارة التجزئة، محمد العسلي وهو مسؤول مشتريات في واحد من أكبر المتاجر في البحرين، ويمر عبر عمله الموردون والأسعار والفواتير والمستندات قبل أن تصل السلعة إلى الرف.

عندما شرحنا له ما وجدناه، لم يتعامل معه بوصفه اكتشافًا غريبًا عن السوق، قال إنهم يعرفون هذا النوع من التجارة، بل إن بعض مروجي هذه البضائع جاءوا إليهم أيضًا.

لكن عند باب المتجر الكبير يتغير السؤال، السعر مهم، ولكن قبله سؤال آخر: أين الأوراق؟

يقول محمد إن المتاجر الكبرى تطلب من الموردين ما يلزم من فواتير ومستندات وسجلات وتصاريح واعتمادات بحسب طبيعة السلعة، وإن سمعة المتجر لا تسمح له بشراء منتج لمجرد أن سعره مغر.

وبحسب شهادته، فإن بعض الموردين الذين قدموا بضائع تحيط بمصدرها أو مطابقتها تساؤلات لم يستمروا عندما طلب منهم تقديم المستندات اللازمة.

قال: حين نطالبهم بالأوراق، يختفون ولا يعودون، الجملة أعادتنا إلى البرادات.

هل توجد بضائع لا تستطيع عبور متطلبات قناة التجزئة الكبرى، لكنها تجد طريقًا أسهل إلى نقاط البيع الصغيرة؟

محمد يرى أن الفارق يرتبط كذلك بمستوى الرقابة والتدقيق، ويقول إن المتاجر الكبرى تخضع لمتابعة أكبر وتحرص على المورد المعروف ومسار السلعة الواضح، ثم أعطانا اسمًا يستخدمه بعض أهل السوق وهو نوع من أنواع التوريد، وهو تاجر (الشنطة).

 

تاجر (الشنطة)

تاجر الشنطة ليس مصطلحًا بالضرورة لرجل يحمل حقيبة، وصف لنمط من التجار الذين يتحركون، بحسب محمد، ببضائع خارج قنوات التوريد المعتادة أو تثار تساؤلات حول مصدر بعض ما يعرضونه أو مستنداته، ويقسم المشهد الذي يعرفه إلى ثلاثة خطوط.

الأول: الوكيل أو المورد النظامي المعروف، الذي يسميه “كاشف الرأس”؛ اسمه معروف، ومستنداته معروفة، وسمعته ورأس ماله في السوق.

الثاني: تاجر (الشنطة).

والثالث: مصنع حقيقي ومنتج قد يكون أصليًا، لكنه أنتج أساسًا لسوق أخرى ثم وصل إلى البحرين.

وهذا التقسيم أكد لنا شيئًا كنا قد بدأنا نفهمه من الميدان: ليس كل ما على الرف الرخيص قصة واحدة، قد توجد منتجات أصلية، وأخرى مخصصة لأسواق مختلفة، وقد توجد تصفيات أو بضائع قريبة من انتهاء الصلاحية، وفي المقابل، يثير عاملون وخبراء في السوق شكوكًا حول مصدر وأصالة بعض المنتجات.

ولهذا فإن وضع ختم “مقلد” على كل ما وجدناه سيكون أسهل صحافيًا، لكنه لن يكون أدق.

محمد اختصر حجم الظاهرة بعبارة أخرى: سوقهم صغيرة في شكلها لكن ناتجها كبير.

 

مياه مزورة

ثم روى لنا محمد واقعة سابقة كان متجره طرفًا في اكتشافها، عرضت عليهم مياه تحمل علامة Nestlé. طلب قسم المشتريات المستندات والتصاريح، أثارت إحدى الأوراق الشك، وبحسب روايته، كشف التحقيق عن أن التصريح المقدم فيه شكًا كبيرًا، تقدمت الجهة بشكوى، ويقول محمد إن القضية وصلت إلى القضاء وانتهت بمحاكمة المتهم وإدانته.

هذه الواقعة لا تثبت شيئًا بحق الموردين الذين زرناهم، ولا نربط بينهم وبين صاحب تلك القضية، لكنها تفسر لماذا تصبح الورقة جزءًا من حقيقة العبوة.

فبين المصنع والرف، لا تسافر البضاعة وحدها، يفترض أن تسافر أوراقها معها.

 

الدكتور أحمد العصفورالعبوة التي تدخل جسدك

نحاول الآن أن ننقل السؤال من المال إلى الإنسان، فالسلع التي وجدناها ليست حقائب وساعات فقط، معجون الأسنان يدخل الفم، الصابون يلامس الجلد، الشامبو يبقى على فروة الرأس، مزيل العرق يستخدم يوميًا على الجسم.

حملنا المشهد إلى رئيس رابطة جراحة التجميل في البحرين، استشاري جراحة التجميل والترميم الدكتور أحمد العصفور.

العصفور يقول إنه لاحظ بنفسه فروقًا سعرية كبيرة في منتجات من هذه الفئات، ويرى أن السوق تضم منتجات يجب التحقق منها خصوصًا أنها مثلا منتجات تنظيف وعلى سبيل المثال، لك أن تعلم مثلا إذا احتوى منظف الأرضيات على مادة عطرية فعليها شروط بالمواد المصنعة بها وقوة الرائحة ناهيك عن اشتراطات كثيرة على المنتج الأصلي والمواد المكونة منه، داعيًا المستهلكين إلى عدم جعل السعر معيارهم الوحيد.

ويحذر من التعامل مع هذه السلع باعتبارها منتجات بسيطة لا يمكن أن يترتب على حقيقتها أو مكوناتها أثر؛ فالمنتج الذي لا يكون مطابقًا لما يعتقد المستهلك أنه اشتراه قد لا يؤدي الغرض المتوقع منه، وتزداد الحساسية عندما يتعلق الأمر بمنتج يلامس الجسم بصورة مباشرة ومتكررة.

وبيّن أن المواد الطبية لا تخلو أيضًا من بعض الشكوك، لا سيما تلك المستخدمة في عمليات التعقيم والتطهير، مشيرًا إلى وجود منتج يُستخدم لتعقيم وتطهير أجهزة الليزر، على سبيل المثال، ويُباع بنحو 17 دينارًا للعبوة، في حين فوجئنا بوجود منتج آخر من بلد منشأ مختلف يُباع بسعر لا يتجاوز دينارين فقط.

لكن رأي المختص لا يحول كل عبوة رخيصة إلى منتج مقلد، إثبات ذلك في عينة بعينها يحتاج إلى دليل فني عليها، وهنا تكمن المفارقة، المستهلك لا يحمل مختبرًا معه إلى البرادة، لا يستطيع أن يعرف التركيبة من اللون، ولا المصنع من الرائحة، ولا سلسلة التوريد من الشعار، إنه يرى العلامة.

 

المحامية فاطمة بن رجبالقانون لا يتوقف عند الرف

المحامية فاطمة بن رجب تقول إن القضية، في حال ثبت الغش أو المخالفة وتحققت عناصرها القانونية، لا تتوقف بالضرورة عند من صنع المنتج، وإنما يمكن أن تمتد المسؤولية وفق ظروف كل واقعة إلى حلقات مختلفة في التداول والاستيراد والتخزين والنقل والتسويق والحيازة بقصد البيع.

وتشدد في الوقت نفسه على نقطة مهمة: لا يجوز افتراض المسؤولية لمجرد وجود المنتج في محل، يجب إثبات الواقعة والعلم والمسؤولية وفق القانون.

لكنها ترى أن المواجهة الحقيقية لا تكون بأخذ بعض العبوات من رف برادة ثم اعتبار المهمة منتهية. 

يجب تتبع: المصدر، المخزن، المستورد، الموزع، وسلسلة التوريد. يبدو أنها وكانت، من دون أن تقصد، تصف الطريق الذي سلكناه طوال التحقيق، لكننا سلكناه بالعكس، بدأنا من العبوة، ثم البرادة، ثم الموزع، ثم المورد، وعندما وصلنا إلى الحلقة التي تسبقه، أصبحت الصورة أقل وضوحًا.

 

اقتصاد الـ 800 فلس

بقي سؤال آخر، لماذا تريد البرادة هذه البضاعة أصلًا؟ هنا عدنا إلى اقتصاد المحل الصغير، في مثال شرحه لنا أحد العاملين في السوق، فإن هامش ربح البرادة من بعض المشروبات التي تصل عبر القنوات الرسمية قد يكون محدودًا جدًا، إلى درجة أن هامش كرتون يضم 24 علبة قد يدور حول قيمة علبة واحدة، أي نحو 250 فلسًا، وفق الإفادة التي حصلنا عليها.

تخيلوا: أربع وعشرون علبة، تبريد، كهرباء، مساحة، وكيس لبيع واحدة تلو الأخرى، ثم هامش صغير من الربح، قارن ذلك بما رأيناه في Axe مزيل العرق. بسعر 3,090 دينارا في متجر كبير، و800 فلس لدى المحل الذي وصلنا إليه.

إذا اشترى صاحب برادة افتراضًا للحساب فقط عبوة بـ800 فلس ثم باعها بـ1.200 دينار، يظل سعره بعيدًا جدًا عن سعر المتجر الكبير، بينما يحصل على فارق نظري قدره 400 فلس قبل مصروفاته، وهنا تبدأ الحسبة في تفسير انتشار البضاعة، المورد لديه سبب للبيع، الموزع لديه سبب لنقلها، البرادة لديها سبب لعرضها، والمستهلك لديه سبب لشرائها، والجميع يرى مصلحته في السعر فقط.

وهذا ربما ما يجعل هذه السوق قادرة على الحركة من دون أن يحتاج كل من فيها إلى معرفة القصة كاملة، المستهلك يعرف البرادة، البرادة تعرف الموزع، الموزع يعرف المورد، والمورد يعرف من باعه. كل حلقة تحتاج إلى معرفة الحلقة السابقة فقط، أما نحن، فحاولنا أن نسير في الاتجاه المعاكس. وكلما اقتربنا من البداية، ازدادت الأسئلة.

 

السوق المخبّأة

من السهل أن تنظر إلى برادة صغيرة ولا ترى فيها شيئًا يستحق التحقيق، عدة رفوف، ثلاجات، عامل خلف الصندوق، مبيعات بدينار ودينارين، لكن البرادة الواحدة ليست هي السوق.

عندما يتكرر المشهد في المحافظات الأربع، وتتكرر العلامات، وتتكرر فوارق الأسعار، ثم يقودك أصحاب البرادات إلى موردين بعينهم، وترى وسيلة توزيع تنقل الصناديق إلى نقاط البيع، فإن الرف الصغير يصبح جزءًا من صورة أكبر.

السوبرماركت الكبير يخبرك أنه موجود، واجهات، إعلانات، عروض، فروع، ولكن هذه التجارة لا تحتاج إلى كل ذلك.

 

ترويجها هو السعر

وواجهتها ليست متجرًا واحدًا، واجهتها موزعة على رفوف صغيرة كثيرة، علبة شامبو هنا، مزيل عرق هناك، معجون أسنان قرب صندوق الدفع، وصندوق جديد يصل في باص، كل مشهد منفرد يبدو عاديًا، لكن ضع المشاهد إلى جوار بعضها، وسترى السوق.

 

العودة إلى البرادة

بعد أسابيع، عدت إلى إحدى البرادات التي بدأت منها الرحلة، لم يتغير شيء تقريبًا، الثلاجات تطن، الزبائن يدخلون ويخرجون، والعامل خلف الصندوق يحسب الفواتير الصغيرة، والعبوات ما تزال فوق الرف، مددت يدي إلى واحدة منها.

قبل أسابيع كنت سأراها كما يراها أي زبون: اسم أعرفه وسعر يصعب مقاومته، لكن العبوة لم تعد هي العبوة نفسها، ليس لأنها تغيرت، بل لأننا عرفنا الآن كم سؤالًا يمكن أن يختبئ خلف غطائها، قلبتها، الاسم، الشعار، الألوان، الباركود، بلد المنشأ، لكن لا شيء مكتوب عليها يستطيع أن يخبرني بالرحلة التي أوصلتها إلى يدي: من اشتراها من بلد المنشأ؟ ثم من باعها؟ كيف وصلت إلى البحرين؟ أين خزنت؟ من حملها؟ ومن أخذ نصيبه من سعرها؟

دخل زبون، وقف أمام الرف، حمل منتجًا، قلبه للحظات، ثم نظر إلى السعر، لم يسأل البائع عن المورد، لم يطلب مستند الاستيراد، لم يسأل عن المصنع أو المخزن، ولم يكن عليه التحقق أصلا لأنه ليس مفتشًا، ولا خبير علامات تجارية، ولا مسؤولًا عن الحدود والمخازن والأسواق، إنه مستهلك، ومن حقه حين يمد يده إلى سلعة موضوعة فوق رف متجر يعمل علنًا، ألا تبدأ مهمته من حيث يفترض أن تنتهي مهمة آخرين، دفع الرجل، وخرج، ولا نعلم هل تحمل العبوة المشتراة مشكلة صحية.

 

منعطف جديد

في بداية التحقيق، أغراني السعر كما يمكن أن يغري أي مستهلك، ثم أثار شكي، ثم أخذني وراءه، من برادة إلى أخرى، ومن محافظة إلى أخرى، ومن رف إلى موزع، ومن موزع إلى مورد، حتى وقفنا أمام سوق يقول أحد مورديها بنفسه إنه يبحث عن بضائع صنعت لأسواق أخرى لأنها تمنحه أسعارًا جاذبة، ومسؤول مشتريات يقول إن بعض موردي هذه الفئة يختفون حين تطلب منهم الأوراق، وخبير يرفع علامات استفهام حول بعض ما يتداول فيها، وقانون يقول إن الطريق الصحيح يبدأ من تتبع سلسلة التوريد كلها، لكن الخيط ظل ينقصه طرف.

 

من أين تبدأ هذه البضاعة فعلًا؟

بعد أن تقصيت كل الواقع المعاش أعلاه، بقيت أياما أتجول بين البرادات لأرصد وظلت المشكلة باقية، وبعد أسابيع من مطاردة القصة عرفت أن الرقم الذي أغرى المستهلك لم يكن نهاية الحكاية، كان الطُعم الذي قادنا إليها.

وبقي السؤال معلقًا فوق الرف: من يعرف من أين تأتي هذه البضائع؟ هل هي مقلدة أم أصلية؟ هل لها مضار جانبية؟ وكيف دخلت البحرين؟ 

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى